إشكالية الحداثة الفنية في الوطن العربي
ونحن أمام هذا العنوان ذي الطابع الملتبس والحامل لكل
التناقضات، مطالبون، كما هو حال الفكر النقدي، بتدقيق المصطلح وتحديد المفهوم لرفع
أي التباس، خصوصا وأن المبحث يتعلق بإشكالية تنبني على خلفيات
إبستيمولوجية مرتبطة أشد الارتباط بجدلية تاريخية ومجتمعية. أول سؤال يطرح نفسه : هل لدينا حقيقة نسخة عربية للحداثة الفنية
الغربية ؟ إذا كان ردنا إيجابيا فنحن لم نستوعب أبدا
معنى "الحداثة الغربية"، ولم نتوصل إلى استيعاب جوانب ملامحها العامة
التي "إذا ما تم استيعابها لا بد أن تسهم في رسم مشهد أكثر وضوحا لتمثلات
وتمايزات "الحداثة" في المجتمعات التي نشأت فيها، أو المجتمعات التي
استقبلتها دون أن تسهم في صناعتها ومنها المجتمعات العربية"[1]. "فالحداثة
تخرج هذه المجتمعات من دائرة التكرار والاجترار والمراوحة وتفجر دينامية التحول
بما يستتبع ذلك من اهتزاز في القيم والعادات والهويات"[2].
اعود إلى النسخة الحداثية الفنية العربية المزعومة وأتساءل
هل هي فعلا أخرجت الفنان التشكيلي العربي من " دائرة التكرار والاجترار
والمراوحة" وهل ساعدت على تفجير "دينامية التحول"؟ لقد سبق للفنان
محمد شبعة أن لمح لنا بجواب مقنع وشاف حينما يصرح بقوله: "إذا تحدثنا عن
أنفسنا كأشخاص ذوي تجربة لها بعدها في التاريخ النسبي للحركة، فإنني ألاحظ – شخصيا
– أنه بسبب جمود العناصر التي ظهرت بقينا ندور دائما في أكاديمية خاصة بنا"[3]. فعلا الجميع يحوم بأجنحة
منكسرة حول أسلوبية أصبحت بفعل التكرار والركاكة أسلوبيات أكاديمية أس 2. هي أصلا
حينما اتخذها الفنان العربي كوسيلة لتحديث تعابيره التشكيلية كانت تعتبر أنماطا متجاوزة،
أكاديمية حسب المفهوم التاريخي للفن. أليست نسخ الانطباعية والتكعيبية والسريالية
والتجريدية وباقي التيارات الطليعية التي تعج بها المعارض في الأروقة العربية،
شاهدة على ما أقول؟ أليس تقليد الاتجاهات الفنية الغربية وصبها في قوالب جاهزة
متحت من أغوار التراث دلالة على تعثر الحداثة الفنية العربية وسقوطها في فخوخ
أعطبت ديناميتها؟
حينما نتحدث عن الحداثة الفنية نقصد "الفن
الحديث" الذي ظهرت بوادره الأولى أواسط القرن التاسع عشر حسب ماقرره المؤرخون
الفرنسيون على الخصوص، مع ظهور الانطباعية وصالون المرفوضين. لكن تلك البوادر يمكن
إرجاعها إلى عقود سابقة على 1850، إذا نحن التفتنا بعين ناقدة إلى المستجدات
الجمالية التي قدمها فنانون غير فرنسيين، ألمان وإنجليزوإسبان.
ولا أظن أن فنانا عربيا أو ناقدا تشكيليا مهتمان بقضايا الحداثة
والتجديد على مستوى الإبداع يستطيعان أن يمارآ في مثل هذه الحقائق وإن لم يعلناها صراحة. إن أي ممارس يعلم
أن إبداعاته لاتبتعد كثيرا عن تيارات الطليعة الفنية التي ظهرت مع البدايات الأولى
للقرن العشرين، وأنها تتمظهر طبقا لأشكال تلك التيارات مهما حاول تغليفها بأوراق
التراث وأقمشة الأصالة. فالواقع المزري الذي يعيش فيه والمتصل بسيرورة تاريخية
يحكم عليه بأن "يكون في موقع المتلقي، المتحمل لعواقب العصرية والحداثة، لا
المشارك في صنعها"، مما يجعله يتواجد أمام حالة انسداد الأفق وبالتالي
الدوران في حلقة مفرغة. فمنذ (النهضة ونحن نعيش بأجسامنا في قرن، وبأفكارنا وشعورنا
في قرن سابق، بدعوى المحافظة على "الروح الأصلي") كما قال عبد الله
العروي.
إن ما نستطيع أن ندعيه في أفضل الحالات، أننا انطلاقا من المفاهيم الأساسية للحداثة الغربية الفنية والأدبية التي بدأت منذ الربع الأخير من القرن التاسع عشر، واستمرت معنا أو معهم حتى الآن ، وهي فترة قدمت للتراث الأدبي والفني في الغرب الرمزية والتعبيرية والدادية والسريالية والعبثية ، إلى كل هذه المذاهب الفنية والمدارس الأدبية التي انطلقت من موقف الرفض الحداثي لمعطيات الحضارة الغربية والأزمة
التي أوصلت إليها إنسان العصر الحديث . نقول انطلاقا من هذه المفاهيم الأساسية حاول الحداثيون العرب منذ أوائل السبعينيات مباشرة ، أي في
السنوات التي تلت النكسة وسقوط الحلم العربي ، تقد يم نسخة عربية لحداثة تتعامل مع واقع الحضارة الغربية ، وذلك بعد أن حاول
المفكرون والمترجمون اللبنانيون ، قبل ذلك بسنوات لفت الأنظار للحداثة دون كبير نجاح. وفي هذا يكتب إلياس خوري في مرحلة مبكرة:
»لم تطرح الحداثة في الثقافة العربية المعاصرة إلا ضمن إشكالية خاصة
بها. فهي لم تكن صورة عن الحداثة الغربية ، بل كانت محاولة عربية لصياغة الحداثة داخل مبنى ثقافي له خصوصياته التاريخية ، ويعيش مشكلات
نهضته ، فجاءت الحداثة العربية حداثة نهضوية. إنها إطار التكسر الثقافي- الاجتماعي-السياسي ، ومحاولة تجاوز هذا التكسر بالذهاب إلى الأمام.. . الحداثة العربية هي محاولة بحث عن شرعية المستقبل ، بعد أن فقد
الماضي شرعيته التاريخية في عالم توحده الرأسمالية الغربية بالقوة ، ويهيمن عليه الغرب ، وتنفى فيه الأطراف إلى الذاكرة التاريخية ، حيث لا تستعاد إلا بوصفها فولكلورا أو دليلا جديدا على تفوق الغرب وقدرته على نفي الآخرين وإبادتهم. البحث عن الشرعية هو بحث عن محاولة التخلص من خطر الإبادة ومحاولة إيقاف تدمير الذات عبر القبول بتدميرها الجزئي ، إنقاذ اللغة... الانطلاق من الحد الأدنى من أجل إيقاف التدهور الشامل ومحاولة البناء انطلاقا من هذا الحد الأدنى".

Commentaires
Enregistrer un commentaire