موت الفن أو نهاية الفن



                        
                                            موت الفن أو نهاية الفن


                               

إن معظم المفكرين والنقاد الذين تناولوا الفن المعاصر وما بعد الحداثة الفنية في أوربا وأمريكا، وجهوا انتقادات لاذعة وشديدة إلى التيارات الفنية الما بعد حداثوية. ومعظمهم يرى أن تلك التيارات خصوصا منها التي تنتمي إلى الجيل الثاني من فناني ما بعد الحداثة أدت بالفن التشكيلي إلى متاهة ومأزق يصعب الخروج منهما، فاعتبر الفن "لا شيء" حسب جان بودريار، وكثير منهم أصبحوا يتحدثون عن "موت الفن" و "نهاية تاريخ الفن".
الثورات الشكلية تعبير عن نهاية الفن:
راجت فكرة نهاية تاريخ الفن وموت الفن منذ أن أخذت الثورات الشكلية مكانها في التاريخ والفكر وتصدرت اهتمامات الجماليين، والمعلوم أننا نقصد بالثورات الشكلية مختلف الحركات والاتجاهات والتيارات الفنية التي عملت منذ أواسط القرن التاسع عشر على قطع الصلة مع نظام القواعد والمعايير المعمول بها منذ قرون عديدة في الفن الغربي. فتم التخلص من النزعة الأكاديمية ومبدأ المحاكاة والتنكر للمعتقد الأرسطي المتعلق بمحاكاة الطبيعة، كما تم التخلي على الفضاء التشكيلي الذي كان خاضعا لما يسمى بالقواعد المنظورية التي سادت منذ القرن الخامس عشر انطلاقا من  إيطاليا ثم باقي اوروبا.
وقد شملت الثورات الشكلية أجناسا فنية غير الرسم، منها النحت والعمارة والموسيقى. ففي الرسم ظهرت المدرسة الانطباعية وما بعد الانطباعية والواقعية ومجموعة "الأنبياء"، ثم باقي حركات الطليعة وما شكلته من قطائع على مستوى الشكل والمضمون. وعرف النحت أوغست رودان خلال المنتصف الثاني من القرن التسع عشر ثم باقي النحاتين الذين وسموا طلائع العقدين الاولين من القرن العشرين. وعرفت العمارة التحولات الجديدة مع مدرسة شيكاغو الأمريكية واختراع ناطحات السحاب والاهتمام بالشكل ونبذ كل ما هو إضافي ومجاني، "وقد مهدت مدرسة شيكاغو وبجرأة كبيرة الطريق نحو نقاء الأشكال ووحدة التعبير بين العمارة والإنشاء"، وفي الموسيقى وسع المؤلفون الموسيقيون العالم الصوتي للنغمة التقليدية المقننة.
لقد هم مصطلح "النهاية" عدد من الأجناس الفكرية منذ تسعينيات القرن العشرين، الفترة التي تتزامن مع الجيل الثاني من فناني مابعد الحداثة.  ونجد المصطلح يشير إلى "نهاية الحداثة" و"نهاية الإيديولوجيات" و"نهاية السرديات الكبرى" في الفلسفة ونهاية الحركات الطليعية.
فحينما يتحدث مفكر أو ناقد عن نهاية جنس من الأجناس الفنية على الخصوص وأتكلم هنا عن الفنون التشكيلية، نجده يطرح البديل لذلك الجنس، فمثلا حينما أعلن الناقد الإيطالي أشيل فونيتو أوليفا عن نهاية الطليعة وتعويضها بمفهوم "عبر الطليعية" Trans Avant-garde (مقال نشره في مجلة Flash Art سنة 1979، بعنوان، الطليعية الإيطالية)، أراد أن يعيد الاعتبار إلى الرسم وإنعاشه ضدا على الفن المفاهيمي الذي اعتمد على الفكرة والخطاب المعبر عنه باللغة عوض التعبير بأدوات التشكيل الفني. فبالنسبة للفن المفاهيمي أو المفهومي "تمثل المفاهيم ما يمثله الصوت للموسيقى، مادة أساسية، نظرا للارتباط الوثيق الموجود بين المفاهيم واللغة، إنه نمط من الفن الذي تعتبر اللغة مادته، كما عبر عن ذلك هنري فلينت صائغ عبارة الفن المفهومي سنة 1961. ونفس الفكرة عبر عنها كل من سول لويت وجوزيف كوسوت للتأكيد على أن الأفكار هي في حد ذاتها أعمالا فنية (Art as Idea as Idea)، مستبعدين "الجوانب الفيزيائية والخصائص الإدراكية للعمل الفني"، وبذلك تبقى "الإشارة والقصد الفنيين لهما كل أولوية على العمل الفني" نفسه، كما أكد ذلك مارسيل دوشان سنة 1913 حينما عرض أول "شيء جاهز" Ready made.
نستخلص من هذا كله أن فكرتي "موت الفن" ونهاية الفن" لم تظهرا مع فنون ما بعد الحداثة، بل كان لهما وجود فعلي مع ظهور الحركات الطليعية منذ بداية القرن العشرين. فكما نجد الفكرة تروج بقوة مع أعمال مارسيل دوشان الذي قلب رأسا على عقب مفهوم العمل الفني وبالتالي وجه انتقادات شديدة إلى مفهوم الفن نفسه، نجد كذلك تيارات فنية ترفع شعار "موت الفن" ونبذ العودة إلى التراث ورفع التحدي في وجه النزعات الفنية المحافظة التي ما فتئت تتنفس كأنها تصعد في السماء.
من بين التيارات الفنية التي نادت بموت الفن الددائية ببياناتها التي بلغت حوالي 30 بيانا، والسوريالية وبياني أندري بروتون والمستقبلية الإيطالية وميولاتها المتطرفة والمؤيدة للفاشية، وشكليا ما توصل اليه كاسمير مالفتش حينما رسم لوحته .Carré blanc sur fond blanc
البيان الطليعي
"إن البيان الطليعي قد عبر (...) عن إرادة الفنانين لتبيان وتفسير أعمالهم الفنية المحيرة والمزعجة للجمهور، والتي بحثت باستمرار عن التجديد. لقد عمل البيان الطليعي على قطع الصلة مع الماضي وقد تم ذلك أحيانا بطريقة عنيفة".
الحديث عن الدور التوضيحي للبيان الطليعي يحيلنا على دور الخطاب الذي ظهر مع الفن المعاصر، أي الخطاب المكتوب أو الشفاهي الذي له ضرورة ملحة في تقريب العمل الفني من المتلقي، إلا أن الفرق بين الخطابين، أن البيان الطبيعي مصدره، في الغالب مجموعة فنية تتقاسم نفس الرؤى الجمالية التي غالبا ما تكون تقدمية في أفكارها، بينما الخطاب المعاصر، ما بعد حداثوي هو خطاب فردي من إنجاز الفنان نفسه يهدف بالأساس إلى شرح المقاربة الفنية ويوضح المفهوم الذي يقصده الفنان، وأحيانا يكتفى بتوضيح الفكرة كتابة وتغييب البناء الفيزيائي للعمل الفني.
إن فكرة المصاحبة هذه ليست جديدة في عالم الفن والجمالية، فمنذ بداية القرن التاسع عشر توقع هيغل "ذلك التطور الذي لم يسبق له مثيل في حقل الجمالية و"علم الفن"، علما أنه قد أصبح لزاما – منذ تلك اللحظة – على الخطاب والتفكير والحكم الجمالي مسايرة الفن، لتفسيره وتسويغه" (مارك جمنيز).
هيغل وموت الفن
الحقيقة أن هيغل لم يتوقع "التطور الذي لم يسبق له مثيل في حقل الجمالية وعلم الفن"، منذ فجر الأزمنة الحديثة، بل إن هيغل نفسه هو أول من توقع "موت الفن".
ففي كتابه "الجمالية" Esthétique، يطرح هيغل فكرة "نهاية الفن" مع بداية الرومانسية. "فمنذ نشأة الرومانسية أعلن هيغل عن الموت الوشيك للفن الرومانسي بل للفن نفسه"، وبالتالي أعلن عن زوال القيم والمعالم وأنه لم يعد هناك فنانون.
هذه الأفكار هي نفسها التي ما فتيء يرددها المنددون بالفن المعاصر وما بعد الحداثة الفنية في الغرب.
يكتب هيغل: " بقي الفن – نظرا لغاياته العليا – كشيء من الماضي وبذلك فقد حقيقته وحيويته الأصلية وأصبح أدنى من ذلك". ويضيف: أن" الأثر الفني غير قادر على إرضاء حاجتنا الخيرة إلى المطلق، وفي أيامنا ما عدنا نبجل الأثر الفني، كما أن تصرفنا إزاء إبداعات الفن هو أكثر برودة ومدعاة للتفكير".
وخلال حديثه عن الفن الرومانسي    يضيف هيغل: " لقد وصلنا إلى نهاية الفن الرومانسي من الجانب الذي تم تبيين ذلك في المرة الأخيرة، من أن الفنان أصبح يعتبر نفسه أعلى من موضوعه وعمله الفني، متوهما بذلك أنه تحرر من مجمل الشروط التي تفرضها الطبيعة المحددة للمضمون وللشكل معا، معتقدا أنه يملك الأفكار وكيفية معالجتها، متخيلا أن كل شيء أصبح يتوقف على فكره وقوة موهبته".
ربما أن هناك مفارقة عند هيغل حينما يتحدث عن الرومانسية. فهو، كما سبق، أعلن عن موت الفن الرومانسي منذ نشأة الرومانسية، لأن فن عصره "لم يعد يستجيب للتطلعات الروحية للافراد كما كان عليه حال الفن في مصر القديمة وبلاد اليونان وفي العصر الوسيط".
وحتى نزيل اللبس القائم يجب التوضيح أن الرومانسية التي يقصدها هيغل امتدت من القرون الوسطى الى القرن التاسع عشر، حيث تجسدت العودة الى التراث المسيحي الغوطي Gothique وبدت معالمها واضحة في فن العمارة على الخصوص.
حسب الجمالية الهيغلية، ينقسم الفن إلى ثلاث مراحل: الرمزية والكلاسيكية والرومانسية.
الرمزية: يشير الشكل الفني هنا إلى الفكرة رمزاً، ولا يفصح عنها إفصاحا خليق بالفكرة ذاتها. وللشكل أولويته على المضمون، ويتمثل الفن الرمزي في الفنون الشرقية والمصرية. 
الكلاسيكية: تجسدت حسب هيغل في الفن الإغريقي الذي وصل إلى مرحلة الكمال توازى فيها الشكل مع المضمون واتخذت الفكرة تعبيرها المطابق لها.
الرومانسية: حسب هيغل تتمثل الرومانسية في فنون القرون الوسطى المسيحية وفنون القرن التاسع عشر، وهنا يفقد الشكل أهميته وينزاح لصالح المضمون.
 يقول مارك جمنيز: " علينا أن نعرف أن العصر الرومانسي بالنسبة إلى هيغل يعني تلك المرحلة الفنية التي جاءت مع بداية الغرب المسيحي والتي عرفت عصرها الذهبي في العصر الوسيط وقد امتدت إلى غاية بداية القرن التاسع عشر".
وفي نظر هيغل أن كل مراحل الفن الرومانسي قد "تم اجتيازها" وأن كل الموضوعات والأشكال قد "تم استنفادها"، وفي غياب التجديد "ضرب الفنانون صفحا عن تفكيرهم" ويعني أن الفنانين المحدثين الذين عاشوا في بداية القرن التاسع عشر تحت طائلة التكرار والاجترار لم يكتفوا بإعادة إنتاج الفن الذي كان سائدا في العصور السابقة.
إن هيغل يتحدث عن الفنانين المحدثين الذين كانوا في بداية القرن 19، فهم محدثون بالنسبة لعصره أولا، وبالنسبة للفنون التي يعتبرها هو ويؤمن بها، أي تلك التي "تستجيب للتطلعات الروحية للأفراد". فهؤلاء كانوا يجترون ويكررون ما سبق دون أي مبادرة للتجديد.
ترى أي نوع من الفنانين يقصده هيغل بكلامه؟ وماهي التيارات الفنية التي عاشت مع بداية القرن 19 وكانت في نظره، معروفة بالاجترار والتكرار؟

يكتب هيغل في المجلد الثاني من "جمالية"، ص. 340: "لا أي هوميروس ولا أي سوفوكليس ولا أي دانتي ولا أي أرسطو ولا أي شكسبير لا يمكن أن ينتجهم عصرنا فما أنشد بهذه الروعة، وما جرى التعبير عنه بالحرية التي فعلها هؤلاء الشعراء الكبار، حصل لمرة واحدة وأخيرة".
وكتب أيضا قبل هذا الكلام:" بلغنا ختام الرومانسية، عتبة الفن الحديث، الذي نقى على تحديد ميله العام بالأمر التالي، وهو أن فردية الفنان تتوقف عن أن تكون محكومة بالشروط المعطاة لهذا المضمون أو ذاك ولهذا الشكل أو ذاك، بل يسود هذا مثل ذاك ويحتفظ كل منهما بحرية اختياره وإنتاجه". ص. 335.
ولا بد أن نشير إلى أن مثل هذا التفكير ولفهمه واستيعابه يجب وضعه في إطار نسقه العام الجمالي والفلسفي الهيغلي وإلا سنسقط في متاهات التأويل المجانية والمغالطات التي ربما تؤدي بنا إلى تحريف مقاصد الفيلسوف.
إن هيغل يتحدث عن واقع عصره الذي يرى فيه "انحطاط" و"تفكك" الفنون. فهو يتحدث عن نهاية الفن الرومانسي منذ مقدمة كتابه، تلك النهاية التي توافق الفن كله.
"نحترم الفن، نعجب به إلا أننا ما عدنا نرى فيه شيئا غير قابل للتخطي ولا الظهور الحميمي للمطلق، بتنا نخضعه لتحليل تفكيرنا ولا نقوم بهذا بقصد استثارة إبداع آثار فنية جديدة..."
"إن أيام الفن الإغريقي الجميلة والعصر الذهبي في القرون الوسطى المتأخرة انقضت ولم تعد الظروف العامة في زماننا مناسبة للفن (...) يبقى الفن لنا في أشكاله كلها وفي مآله الخير شيئا من الماضي. وبهذا الفعل فقد في أنظارنا ما كان فيه متأصلا، وأنه حقيقي وحيوي، في واقعه والحاجة إليه، ويجد الفن نفسه من الآن فصاعدا متدني الرتبة في تصوراتنا".
من خلال هذا الكلام يتضح أن هيغل لا يصرح مباشرة بموت الفن ونهايته ولا أن الفنانين اختفوا وانقرضوا، ولكنه يرى أن فن عصره لم يعد يعبر عما كان يعبر عنه من انتظارات واعتقادات الحضارات القديمة، لذلك يبقى الفن الإغريقي والفن الوسيطي (القوطي) شيئا من الماضي.
هذه الفكرة تطرح أفكارا أخرى اتخذت كإشكاليات كبيرة في الجمالية لدى القدامى والمحدثين، ألا وهي فكرة "التقدم والرجعية" في الفن. ومن تم تطرح مسألة تطور الإبداع الفني نحو الأحسن، مع الاعتقاد أن تاريخ الفن يكشف لنا ربما عن درجات امتياز نصل بها إلى مستوى الجودة.
نتساءل إذا: هل يوجد تأخر في الفن؟ أي هل يمكن الحديث عن تقهقر من الأحسن إلى الأسوأ؟ وما معنى الجودة في الفن؟ وما مقاييسها؟ وهل هي مطلقة وقارة في الزمن الفني؟
هذه تساؤلات يمكن الإجابة عنها ومناقشتها في مقام آخر.
المهم أن عددا من الفلاسفة وعلى رأسهم هيغل يرون أن الجودة تحققت في الماضي، في التماثيل الإغريقية، وأن ما جاء من بعد الإغريق ما هو إلا نسخ باهتة لتلك التماثيل.
إن الحنين إلى الماضي وإلى العصور القديمة كانت مفارقة كبيرة لدى كثير من الفلاسفة وتشكل قاسما مشتركا بينهم، وأخص بالذكر من كانوا يعتبرون من مفكري الحداثة ومنظري المستقبل. ففي الوقت الذي كانوا يطرحون أفكارا فلسفية حداثية، كانوا من الجانب الفني والجمالي تقليديين في ذائقتهم الجمالية.
فماركس مثلا، يستغرب لكونه، حتى القرن 19 مازال يتذوق الأعمال الفنية الرائعة للعصور القديمة.

إذا عدنا إلى الحديث عن الذائقة الفنية لدى ماركس وكذلك رفيقه إنجلز، نلاحظ أنهما سقطا في الفخ الذي نصباه للكاتب الفرنسي هنري بلزاك حينما اتهماه بالتقدمية المحافظة.
فرغم انهما كانا تقدميين في فلسفتهما إلا أن ذوقهما الفني كان تقليديا، فقد أبديا إعجابهما بكتاب كبار مثل شكسبير وغوته وعبرا عن تعظيمهما للعصور اليونانية القديمة. "إن ذوقهما الكلاسيكي كان في الاتجاه المعاكس من قناعتهما السياسية والفلسفية "كما أشار إلى ذلك هنري أرفون.
نجد نفس الاتجاه في الفلسفة النتشوية "التي كانت معادية بشدة للفلسفة الهيغلية"، وتتغدى هي أيضا من ذكريات اليونان القديمة الما قبل سقراطية، في الوقت الذي كان نتشه قد بنى تصوراته للحداثة في كتابه "المأساة".
"إن جمالية نيتشه التي كانت جريئة في ميدان الإبداع الأدبي قد بقيت كلاسيكية في ميدان الفنون الجميلة، ولم تنفصل عن ذلك الأسلوب الكبير للأشكال التقليدية المتأثرة بذكريات المعجزة اليونانية" (مارك جمنيز).
نأخذ سيغموند فرويد كمثال ثالث على النزعة المحافظة في ميدان الجمالية.
فأول ما يصادفنا ونحن نطلع على كتابات فرويد حول الفن طابعها التجديدي المبني على نظريات التحليل النفسي التي أسهمت كثيرا في قراءة وتحليل الأعمال الفنية ودراسة نفسية الفنانين (ليوناردو دافنشي كمثال)، لفهم أسرار الإبداع الفني الداخلية المرتبطة بالشعور واللاشعور وفي المقابل ما تنزع إليه ذائقة فرويد الفنية الكلاسيكية المحافظة.
إن الفن حسب فرويد "خال من كل مغزى ميتافيزيقي أو ديني، بل هو مجرد تخدير ومن محاسنه أنه قد يخفف على الفرد الذي يواجه تقلبات الحياة".
"إن هذا المحلل النفساني الذي كان معاصرا للثورات الطليعية (مات فرويد سنة 1939)، لم يكن على دراية بحداثة التفكيكات التي عرفها الفن كالتجريد واللاتصوير"، رغم أن هذا التيار الفني كان ممكنا أن يشكل أرضية خصبة لدراسات التحليل النفسي آنذاك.
إن هذا التعلق بالكلاسيكية والجمالية المثالية هو في نهاية المطاف قاسم مشترك بين كل من ماركس ونتشه وفرويد (وحتى هيغل) وهو في واقع الأمر نوع من الحنين إلى تلك العصور القديمة وللتراث الفني الغربي الذي ساد بين العصور الوسطى مرورا بالنهضة إلى القرن 19.
نتساءل أليس التعلق بالماضي والارتباط بالتراث نوعا من "موت الفن" و"نهايته"؟
فالارتباط بالماضي والتعلق بالتراث يعني رفض كل تجديد، وسير في الطريق المعاكس الذي نهجته الحداثة. وهذا ما سلكته الحداثة الفنية العربية التي أخطأت الطريق ونهجت سبيلا أدى بها إلى متاهات لم تستطع أن تنعتق من مسالكها، فسيرها في الاتجاه المعاكس تماماً للذي سارت عليه الحداثة الغربية – وان كانت هذه بدورها اعتمدت شيئا من الماضي، اي تراث امم غير اوروبية - عبر إعادة الاعتبار للماضي الحضاري والثقافي، ومحاولة إعادة الحياة لبعض النماذج التراثية كالخط العربي والزخرفة الإسلامية والفنون الشعبية والرموز أدى بها في نهاية المطاف إلى الاجترار والتكرار وإعادة نسخ ما سبق، حيث بات فنانوها يكررون أنفسهم دون توقف إلى درجة الركاكة والتقزز والملل. كانت الحداثة الفنية العربية، بخلاف قرينتها الغربية تفتقد إلى خلفية معرفية وفلسفية وجمالية تؤطرها وتجعلها مشروعا مكتملا يعطيها استمرارية في التاريخ والزمن.
"لقد تم استنفاد كل الوسائل الإبداعية لأن كل شيء قد تم اختياره وتحقيقه مع ظهور فنانين مثل مارسيل دوشان وأندي وارول وتجارب الفن المفاهيمي التي وضعت حدا لمفهومي العمل الفني والفن نفسه، باعتبارها كل أثر "مبتذل" بمثابة عمل فني"، وعلى هذا ستكون نهاية الفن بمعنى أن يكون محكوما عليه بالتكرار"
وهذا القول مما ساد في أطروحة أرتور أدورنو حول نهاية الفن. فأعمال كل من دوشان ووارول تشكل ما يمكن أن نسميه بالحدود المطلقة التي تجعلنا لا يمكن أن نتصور تاريخ الفن أبعد من ذلك.
"إنني أعتقد أنه مع علب بريو (من أعمال أندي وارول)، استنفد الفن كل إمكاناته وبالتالي انتهى تاريخ الفن".
"ولا نقول توقف بل انتهى وأصبح واعيا بذلك ووفق فلسفته الخاصة، وبمعنى آخر أصبح الفن في ذلك الوضع الذي توقعه هيغل في فلسفته للتاريخ." (دانتو)
حتى لا نكون متشائمين فوق الحدود نضع السؤال ونتمنى الوصول إلى إجابة: "ألن يوجد مستقبلا شيئا كفعل أو إبداع فني لم يسبق مثيله من قبل وغير متوقع الحدوث بإمكانه توسيع آفاق تاريخ الفن الذي لا يتكون ولا يتولد إلا من خلال تراكم الأعمال الفنية والاتجاهات الجمالية والنقد البناء"؟
أين نحن من كل هذا؟
إذا كانت هذه هي الحقيقة، فما الذي نبحث عنه نحن الفنانون العرب؟
هل لنا تاريخ فن بدأ لينتهي؟
بالأمس كان لنا فن له جماليته الخاصة تنبني على خلفية معرفية وإيديولوجية وفلسفية واضحة، أطرت الفنانين (خطاطين ورسامي منمنمات وزواقين) وتأثروا بها، أما اليوم وأنا أسرد أقوال وأفكار الفلاسفة الغربين وميولاتهم الفنية وذائقتهم الجمالية التي أطرت وأثرت في التيارات والاتجاهات التشكيلية أتساءل مع نفسي كيف لا نجد كتابا ولو واحدا لفلاسفتنا المغاربة والعرب عامة يتناول القضايا الجمالية المتعلقة بالإنتاجات الفنية العربية؟ لا أحد ممن يهتمون بالشأن الفلسفي عبر لنا عن ذائقته الفنية ولو بسطر واحد في مؤلفاته، والذين يتناولون الحديث، كتابة أو شفاهة، عن الحداثة وما بعد الحداثة، يتفادون دائما الخوض في المسائل الفنية والجمالية. وما كتبه المهتمون بالفلسفة الجمالية العرب، ما هو إلا ترجمات أو إعادة صياغة أفكار الفلاسفة الغربيين أمثال هابرماس ودانتو وأدورنو لا أقل ولا أكثر.
هل نسعى إلى إحياء الفن بعدما أعلن أصحابه عن موته ونهاية تاريخه؟ فنهاية الفن كما سبق تعني الخوض في الاجترار والتكرار.
لا شك أن الفن عندنا قبر في مهده، ومنذ ولادته لم تسمع صرخته، وحالة التكرار والاجترار التي نعيشها اليوم، خير شاهد على ذلك.











Commentaires

Articles les plus consultés