إبداعات أدبية



                                                                     

كليك وتمتع


كعادته كل صباح فتح عزيز موبايله ووضع ركليكا خفيفا على ايقونة الوايفاي كي يلج عالمه الافتراضي، الكلمات والنصوص الافتراض...ية، والصور الافتراضية والاصدقاء الافتراضيين، الذين فاق عددهم الالف، واللايكات الزرقاء ذات الابهامات الممدودة فوق، والقلوب الوردية العديمة العبق. بينما هو كذلك، يتصفح بحركة اصبعه شاشة الموبايل المفتومة على البيسبوك، بزغت فجأة امام عينيه ايقونة ميسنجيرية لم يسبق له ان رآها، اذ شكلها لايوحي بألفتها. ضغط عليها بحذر شديد وخاطره يذكره بالفيروس الذي راح ضحيته العديد من اصدقائه الفيسبوكيين، نتيجة تهورهم ومد اصابعهم الى المجهول. أحالته حركته الحذرة على رسالة كان فحواها:"
سلام، اعجبتنا صور اعمالك الفنية، ونتمنى ان تشارك معنا في مهرجان الداليا الثاني للفنون والثقافات. اذا كنت موافقا اتصل بنا على الموقع اسفله. " علت وجهه بشائر الفرح والانشراح، تشوبها لفافات من التردد والحيرة. أيضغط على العنوان اسفله؟ واذا كانت المسألة مجرد كمين ينصب اليه، هو العضو الناشط على النيت! ضغط على الرابط فعلته زرقة خفيفة لترمي به على صفحة تراكمت فوقها، بشكل اعتباطي، مجموعة من الصور تظهر شخصا في هيآت مختلفة، تارة يبتسم، وتارة، يعانق ويصافح، وتارة اخرى، يشد على كارطونات، يبدو انها شهادات تكسوها حلل راح مزركشة. راح عزيز يطوف بأرجاء الصفحة عله يجد مبتغاه، ثم توقف بصره على مربع ينشر الدعوة الى المشاركة في مهرجان الداليا الدولي.
- آه، انه مهرجان دولي! ستكون فرصتي للالتقاء بفنانين دوليين، وربما نقاد وكتاب وشعراء...
قرأ مابداخل المربع:" مرحبا بكم في مهرجان الداليا الدولي للفن والثقافات، حضوركم شرف لنا ودعم لمسيرتنا التي تهدف الى النهوض بثقافتنا والتعريف بفنانينا. شروط المشاركة: 500درهم للفنانين الهواة، و800درهم للمحترفين. ثلاث صور شمسية عالية الجودة، صورة لكل عمل ستشاركون به، نسخة جد موجزة من السيرة الذاتية، نصان باللغتين يشرحان مقاربتكم الفنية. ترسل الوثائق الى Gmail اسفله قبل آخر الشهر. تقبل مشاركتكم بعد موافقة اللجنة المختصة، ولن تفعل مشاركتكم الابعد توصل الادارة بالرسوم".
- من اي صنف انا ياترى؟ 500، 800! المهم سأشارك ب800درهم، فانا لست مبتدئا...
بعد اسبوع من الانتظار والجولان البصري داخل الازقة والشوارع الافتراضية، تلقى رسالة الكترونية تخبره ان طلبه قد تم قبوله، ويمكنه ارسال ثلاثة اعمال من الحجم المتوسط في اجل لايتعدى الاسبوعين، وان احدى اللوحات ستبقى في ملكية المهرجان.
- ملكية المهرجان! هذا شيء جديد لم يسبق اعلانه من قبل.
مد سبابته نحو مفتاح الحروف ليكتب مستفسرا: " لماذا لم تشيروا من قبل الى التخلي عن لوحة لإدارة المهرجان؟ "
لم يطل انتظاره حتى توصل بالرد: "قمنا بمراجعة حساباتنا فوجدنا ان الاعتمادات المخولة غير كافية لتغطية المصاريف، لدا قر، ت الادارة ان تأخذ لوحة لكل فنان، ستباع بالمزاد وترد 50% لصاحب العمل".
- انها فكرة جيدة... مبيعات بالمزاد... على الاقل لتغطية المصاريف... كل او وكل... ههه.
بينما هو كذلك، شعت عليه رنة معلنة عن ورود رسالة ثانية:" اذا كنت موافقا، تفضل بملئ الاستمارة التالية وتوقيعها ثم ارسالها بصيغة Pdf."
قرأ عزيز الرسالة ثم ملأ كل خاناتها وأعاد إرسالها بعدما حولها الى الصيغة المطلوبة.
" Salut،
نتمنى ان ترسل اللوحات قبل نهاية الاسبوع حتى يتسنى لمصورنا الخاص تصويرها بالجودة المطلوبة. وان تكون جميعها مؤطرة، قابل للعرض حتى لاتتعرض للرفض من طرف اللجنة المشرفة".
كانت تلك آخر رسالة ايميلية توصل بها عزيز من منظم مهرجان الدالية. في الحال ودون انتظار شرع يتفقد ماأنتجه خلال الثلاثة أشهر الماضية. ست لوحات من الحجم المتوسط، قماشها من نوع toile de lin، تجريدية الأسلوب، اشتغل عليها بمواد صباغية متنوعة، يغلب عليها نوع الاكرليك، مما زاد في تكلفتها. عزيز فنان ثقيل الإنتاج، قليله... لايسعى وراء الربح ولايتحين فرص البيع كما يفعل بعض جلسائه بمقهى ساحة لاكونكورد. من عادته انه يتحاشى المواجهة مع الجمهور ورجال الإعلام، فيعتقد البعض انه انسان اناني، كتوم، لايكشف عما تخفيه سريرته. ونقطة ضعفه هاته جعلته يفوت على نفسه عددا من الفرص، اغتنمها غيره فأصبحت أسماؤهم تتردد في كل وقت وحين، وروائح صباغاتهم تزكم الأنوف، وإطاراتهم حاضرة في كل زمان ومكان...كم من مرة رأى لوحاته تنحر نفسها أمام عينيه، غير راضية على أسلوبيتها، تسائل نفسها عن أصلها وأصالتها، عن جدتها وحداثتها. لماذا هي تجريدية وليست تصويرية، تنقل الواقع عيانيا، وتوطد علاقات جادة مع متليقيها. أكان لها حقها في الاختيار، بية الأسلوبين؟ ما الجدوى ان هي هنا أو هناك؟!
جر إليه ثلاث لوحات من بين الست المتكئة على جدار المشغل، نصبها على الأرض كمومياءات محنطة ولفها في أكفنة بلاستيكية ثبت جوانبها بلصاق سكوتش سميك، ثم كتب بقلم فوتر غليظ على كل واحدة معلومات شملت العنوان والخامة والمقياس، ذيلها باسمه كاملا.
شحن بضاعته على ظهر سيارة هوندا وانطلق نحو محطة ستيام. غادرت اللوحات الثلاث المدينة بعد ما أفرغت ماتبقى في جيب صاحبها: 60 درهم للهوندا و 150 لحافلة الستيام.
- ألو، سيد... ها قد أرسلت لكم اللوحات عبر الستيام.
- مرسي سي عزيز...سأخبرك فور توصلي بها.
مر اسبوع واسبوعان وثلاثة، عاش عزيز حياته خلالها ترددا وقلقا وحلما. كلما ضغط على ايقونة الفيسبوك او ظرف الميل ارتعش قلبه بين رئتيه ليمتزج الدم بالهواء وتعلو دماغه ذبذبة ترعش فرائصه. كان الفراغ يوحي إليه بالظنون كلها، ربما ان إدارة المهرجان غيرت رأيها واستغنت عن ترشيحه! أو أن الردود وصلت المشاركين دونه... كانت الصور التي تتماثل أمام ذهنه تشع بشتى ألوان العذاب. وحتى في نومه تركبه أطيافها فتغرقه أرقا، ليقضي ليله جميعه بين السبات والسهاة. تغلب الريبة على اليقين انه يفتقد أي دليل ملموس يدحض به وساوسه، ليثبت لأناه أنه فعلا يساهم بجسده وعقله في مهرجان الداليا.
أخيرا أجهشت شاشة الموبايل تزف إليه ما أراح باله:" برنامج اللقاء:
الخميس، العاشرة صباحا، استقبال الضيوف ثم اجتماع لعرض مجمل الأنشطة. الثالة بعد الزوال، أتوليه/رسم للشباب والمحترفين والاطفال. الثامنة مساء، ندوة حول ظواهر الفن التشكيلي بالمغرب.
الجمعة، التاسعة صباحا، إنجاز جدارية في الهواء الطلق بإحدى ساحات المدينة، بمشاركة أطفال الحي والمارة والنساء والشيوخ. السادسة مساء التوقف عن العمل والالتحاق بقاعة البلدية لحضور افتتاح المعرض الفني، الذي سيترأسه معالي الوزير وعدد من الشخصيات الوزارية والاقليمية والجهوية والديبلوماسية والثقافية، ورجال الدرك والامن الوطني والقوات المساعدة والوقاية المدنية والجمارك، وممثلين عن الجمعيات والنقابات والمجتمع المدني. وبالمناسبة نطلب من الفنانين المشاركين الحضور قبل موعد الافتتاح بنصف ساعة، لاستقبال الشخصيات، مرتدين بدلات رسمية سوداء او الزي التقليدي ان امكن.
السبت، العاشرة صباحا، جلسة مفتوحة مع الضيوف الاجانب للتثقيف والاستفادة من تجاربهم الفنية. الثالثة زوالا، محاضرة تلقيها الأستاذة الدكتورة هيفاء جورج عصام، حول "تقنيات الرسم بالفوتر وستيلو بيك". الثامنة مساء، سهرة فنية تحييها للمهرجان إكسكلوزيفمن الفنانة المطربة زهور العرباوية.
الأحد صباحا: حفل الاختتام وتوزيع الجوائز والشواهد وتسليم اللوحات المهداة لمديرية المهرجان وأخذ صور جماعية تذكارية".
حمل عزيز نسخة من البرنامج وحولها إلى صيغة وورد ليتمكن من طبعها والاحتفاظ بها ورقيا. كان ما أخذ انتباهه لدرجة الارتباك، هو ساعة استقبال الضيوف..."العاشرة صباحا من اليوم الأول"! كيف سيتسنى له الحضور في الوقت المقرر، هو الذي يبعد بستمائة كيلو عن مدينة المهرجان؟! احتار بين خيارين اثنين، لاثالث لهما: السفر ليلة قبل الموعد المحدد أو الالتحاق في اليوم الأول مما سيفوت عليه حفل الاستقبال والاجتماع التمهيدي.
بعد أخذ ورد وتجاذب أراء، وجد نفسه منجرفا نحو الرأي الاول، إلا أن باله لم يرق إلى حالة من الارتياح تخلصه من حساسية الهموم التي بات يقلب صفحاتها منذ أن تطاول أصبعه وضغط على الرابط الأزرق. لولاه مافعل! "الحضور ببدلية رسمية سوداء؟ "أو الزي التقليدي إن أمكن". مهرجان فني أم تقليد سياسي؟
"كيف العمل وانا لا اتوفر على هذه ولا تلك؟ ".
دامت الرحلة السككية ازيد من تسع ساعات، ارهاق وتعب وطول مسافة وصمت وتوقف مداوم وتأخير وصفير...وتأمل ممل الى مناظر طبيعة رتيبة... حالة من عزلة فيفاء، شردت بذهنه إلى قفار بلدة "ماكوندو"، ليجد نفسه مرمى بين أحضان عائلة Buendia بطلة الرواية الماركيزية ". تسع ساعات مرت وكأنها " مائة عام من العزلة"، اختلط خلالها الغسق بالاصيل، وبات النهار ليلا والليل نهارا. والتعقل حماقة.
كانت عقارب الساعة تلاطف العاشرة ليلا، حين قذف القطار عزيز على أرصفة المحطة وهو يجرجر شنطته العجوز بيد تنملت من قلة الحركة، تلاطم سحاءته افكار عاودته من جديد بعدما ودعته وهو يرتقي المركبة.
غادر باب المحطة الواسع ليجد نفسه بساحة مقفرة الا من بعض السيارات، هنا وهناك. ماذا عساه ان يفعل هو الذي يزور هذه المدينة الشرق/جنوبية اول مرة، لا اسرة ولا اصدقاء ولاسائل يجيب... ولا بانسيون في الافق يحتضنه حتى الصباح. لم يكن بيده سوى الاتصال برئيس المهرجان. اخرج موبايله لكنه تذكر عدم توفره على رقم الربط. ومن حسن حظه كان مازال يتوفر على قسط يسير من الميگات مكنته من تصفح الفيسبوك والعثور على صورة ملصق مهرجان الداليا. كان الملصق يحمل ارقاما هاتفية. ركب الرقم الاول، أجابته علبة صوتية:" الرقم الذي تطلبونه غير مشغل الان". ركب الرقم الثاني، فجاءه الرد:" الو، شكون معايا؟".
- انا عزيز، فنان مشارك في مهرجان الداليا.
رد المخاطب مقاطعا:
- اتصل بالرئيس، هو يرشدك...
انقطع الاتصال كان الشحن نفد.
ركب عزيز الرقم الثالث. كان هاتف الرئيس.
- الو شكون معايا؟
- السلام عليكم، انا عزيز... الفنان المشارك... من مدينة...انا حاليا متواجد بساحة محطة القطار...
- مرحبا...المهرجان... سينطلق غدا على الساعة التاسعة، كن حاضرا في الوقت حتى لاتفوت الاجتماع...
- هل لك ان ترشدني إلى بانسيون؟
- خذ تاكسي، هو سيرشدك.
انقطع الاتصال دون كلمة وداع.
اي ضيافة؟ اي مودة؟ اي اخلاقيات؟ يردد وهو يلكم فخده بقبضته.
عاد أدراجه داخل الى المحطة وهو يفكر في الرجوع من حيث أتى. كانت شاشة مواقيت السفر تشير الى الساعة الثانية صباحا...ساعة المغادرة.
تذكر ال"مائة عام من العزلة" التي قضاها على الحديد المتوازي الخطين، واسترجع شريط الاحداث التي عاشها بين الغسق والاصيل. ركبته حالة من التردد والارتباك، نشوة، هيستيريا. يبيت هنا... يغادر... يقاطع وينسحب... والمصاريف؟ والمطبوعات؟ والاعلانات العنكبوتية...
قضى ما تبقى من الليل على كرسي حديد بارد في نعمة لاهي افتراضية ولاواقعية ملموسة.
ساحة الامم المتحدة، اقدم ساحة واوسعها بالمدينة، اسم على مسمى، هي كذلك يمارس بها حق الفيتو من طرف ثلة من الفئة المهيمنة، فتأخذ هذا بالصدر الرحب وتقصي ذاك بجرة قلم وتؤجل طلبية آخر الى أن يندى الينبوع... هي الساحة المتنفس للنساء يملأنها كل عشية يروحن على انفسهن من اتعاب المنزل الروتينية، يفترشن الكارطون على العشب الفاقد خضرته بسبب المشي والاستلقاء، يصاحبن اطفالهن لقضاء سويعات في اللعب بالكرات البلاستيكية او التنافس على لعبة البي او حتى الجري بسباق "ڥري". بينما الفتيات يجتمعن حول مربعات "السيس" المركبة او " اخميسة". احيانا تشهد الساحة حلقات شيوخ متقاعدين، هنا وهناك، تبارون الكارطة والضامة والشطرنج. تلك هي حال ساحة الامم المتحدة، اللعب وقضاء اوقات الفراغ او ممارسة لعبات التمييز والاقصاء.
ازدانت الساحة بخيمة Caïdale واسعة تحمل فوق رؤوسها الرايات والاعلام الوطنية، و سيجتها من كل جانب شبابيك من حديد تحول دون النفاذ الى وسطها إلا من فتحة وقف عليها رجل سيكوريتي، طويل القامة، عابس الوجه، يبدو عليه الارق والارهاق، يشير بيديه كلما اقترب منه وافد. لاتدريه إذا كان فخورا بنفسه يعتقد انه مخازني، ام هو (منرڥز) من شدة التعب وقلة النوم! تقدم منه عزيز بحقيبته على كتفه ووجهه شاحب، تعلوه أمارت الاصفرار كتلك التي تبهت صورة السيكوريتي.
- فاين رايح أخاي؟ خاطبه الحارس متسائلا؟
- انا الفنان عزيز، مشارك في المهرجان
- شوف معاهم لهيه، هنا ممنوع الدخول.
رمى عزيز ببصره نحو باب الخيمة، فرمق احدى لوحاته ممدودة على الأرض بجانب لوحات اخرى مازالت مكسوة كما ودعها أصحابها. هو هنا وهي هناك وبينهما رجل سيكورتي ينفذ الاوامر... ممن؟ لماذا؟ أيخبره أنه صاحب اللوحة النائمة هناك؟ ومن يهتم؟ ومن يستقبل؟ فكر الاستنجاد بالرئيس... لكنه لايعرفه الا من خلال العالم الأثيري... انه كالرفيق الاكبر لحزب شيوعي أشمل...
التفت مرة ثانية وسأل السيكوريتي الذي كان ينتشي بسيجارة قبض عليها بين سبابته وإبهامه:
- اين رئيس المهرجان؟ أريد ان القاه.
- الرئيس في اجتماع بالبلدية. انظر مع الآخرين هناك.
التفت عزيز نحو مجموعة من الشباب والشابات تحلقوا حول شاب ملتحي، يشير بيديه وكأنه يلقي محاضرة. كان كل من المتحلقين قد صاحب أمتعته معه، منهم من وضع شنطته بين رجليه، وهناك من تقلد حقيبته، بينما آخرون تأبطوا ما كان معهم وكأنهم لايثقون في الأرض التي تلامس أقدامهم. انضم عزيز الى المجموعة حتى لايفوته درس الملتحي الذي كان يدور حول المسائل التنظيمية، الإقامة والتغذية وبروتوكول المعرض والورشات والجداريات...وشواهد الحضور.
تكلم الشاب وتحدث واستفاض في تفاصيل برنامج الدورة، ثم توجه الى المجموعة المتحلقة به مضفيا عليها عبارات الشكر والامتنان لتلبيتها الدعوة وحضورها ودعمها لدورة مهرجان الداليا الحالية. التفت يمينا وشمالا وعيناه تدوران في رأسه، وابتسامة صفراء، تشع وتبهت، تعلو شفتيه:
- هل من سؤال... قبل ان تلتحقوا بإقامتكم؟
الجميع لم يرد... وكأنهم تلاميذ في حضرة مفتش.
رفع عزيز يده وهو ينظر الى صاحب الحلقة.
- اسمح لي، ربما التحقت متأخرا...لم نتعرف على بعضنا...
- أنا فكري، نائب الرئيس... هو لم يحضر معنا لانه في اجتماع مع سعادة الباشا.
- ربما انني فضولي بعض الشيء، لكن يجب ان أعبر عما يخالجني، رد عزيز.
ابتسم فكري وطاف ببصره حول المتحلقين وهم ساكتون وكأن على رؤوسهم الطير.
- تفضل، نحن هنا نناقش...
- اولا... اولا. الاحظ ان اللوحات مازالت على الارض، والوقت يباغثنا... ثانيا... ثانيا، استغرب لذلك الرجل... (اشار بيده نحو السكوريتي)، كيف يمنع المشاركين من ولوج الخيمة... ثالثا...
وفجأة قاطعه فكري:
- ارجوك، هذه تعليمات لايمكنني مناقشتها هنا... ارجوك... انها مسألة أمنية...
وضع ملفاته داخل محفظته وخاطب الحضور:
- الآن ستتوجهون الى اقامتكم، فندق لوبورجوا.
- كيف سنذهب اليه؟ نحن غرباء عن المدينة...
غرباء عن المدينة وغرباء عن المهرجان واهله وغرباء عن اعمالهم التي اضحت تحت رحمة حارس الخيمة وهو بدوره تحت رحمة التعليمات... تعليمات الرئيس، اوتعليمات الباشا، اوهي تعليمات لجينة الدعم...
- خذوا تاكسي يقلكم الى الاوطيل. ادارته لديها لائحة المقيمين.
رفعت الجلسة، وانفض الاجتماع وتفرق الجمع. الذين لهم سابق معرفة بالمدينة ترجلوا يجرجرون شنطهم، بينما آخرون باتوا يركضون وراء سيارات الاجرة التي تمر بالشارع من حين لآخر.
فندق لوبورجوا من ثلاث نجوم، يقع بالجانب الشرقي من المدينة، ويبعد عن ساحة الامم المتحدة بثلاث كيلومترات. التف المضافون حول الكونطوار يعبئون معلوماتهم على الورقة البوليسية المعروفة. ثم تسلم كل زوج مفتاح غرفته.
313هو رقم الغرفة التي سيتقاسمها عزيز مع مهدي، فنان من الشمال. سيتعاشران لمدة ثلاثة أيام...نفس الدوش... نفس المرحاض... نفس الروائح...الشخير المتبادل او المتناوب... الطامة الكبرى، نفس السرير!!
نفس السرير؟ أمهرجان الداليا للفنانين ام للمثليين، تساءل عزيز مستغربا.
غص مطعم الاوطيل بضيوف الداليا الذين تحلقوا حول طاولات إفطار نصبت خصيصا لهم، رصت عليها كؤوس زجاجية وصحون بيضاء بعضها ملئ زبدة صفراء وأخرى بها مربى مشمش بينما توسطت الموائد سلات صغيرة ملئت قطعا من الكومير. تعمد عزيز ورفيقه مهدي الجلوس الى مائدة رئيس المهرجان، الذي تعرف على وجهه من خلال ملصق وضع على كونطوار الاستقبال، يحمل صور أعضاء الجمعية المنظمة.
طاف النادل على الجالسين يملأ كؤوسهم حسب الطلب، حليبا وقهوة او حليبا بدون قهوة او قهوة فقط. كلما اضاف القهوة الى الحليب، فقد الكأس كثافته والبن عبيره، مما جعل العديد من المفطرين يعزفون عن إضافة مماتحويه كؤوسهم من خليط الى ما تتشدقه أفواههم واكتفوا بقطع الكومير وخليط الزبدة والمربى مع شرب شيء من ماء...الحنفية..
بدا على البعض شيء الازعاج حينما شرع مصور المهرجان يدون بآلته أحداث وجبة الفطور، التقط هذا بقطعة كومير في يده، وذاك بلقمة في فمه وقد سال لعابه بسبب كثرة السوائل التي لم يستسغها حلقه، وآخر سجلت يده تمتد الى صحن المربى...بينما اتجه نحو الرئيس يقفصه بكليكات الكاميرا، وقد مد كتفيه الى الوراء وعلت وشه ابتسامة ضيقة كشفت عن بعض من رباعياته.
التفت عزيز يقلب جنبات المطعم بنظراته الفاحصة... قرب منفد المطبخ وضعت طاولة اصطفت عليها صحون محمولة بشتى انواع الكعك والخبز الابيض والاسمر، المحمر والمحمص... وتقلدت أطرافها دواريق الحليب وعواصر الليمون والتفاح والموز...كانت الطاولة بوفيه خاص بالسياح المقيمين بالفندق.
ركز عزيز بصره على الرئيس وبادره متسائلا:
- الاحظ ان الفنانين الحاضرين هنا كلهم مغاربة، وتسمون المهرجان دوليا؟
توقف الرئيس عن الاكل وسحب ظهره الى الوراء وكأنه يستعد لاتقاء لكمات توجه اليه، ثم رد قائلا:
- لدينا ضيوف اجانب سيكونون بيننا غدا، الدكتورة هيفاء جورج عصام، أديبة وناقدة جمالية معروفة على الصعيد العربي وحتى العالمي، لها عدة مؤلفات في الفن والشعر والقصة، وستلقي محاضرة حول تقنيات الرسم بالفوتر وستيلو بيك... اظن ان هذا الموضوع كمقتبس من اطروحة الدكتوراه، ستستفيدون منها كثيرا ومن تجربتها...
- حقا سنستفيد كثيرا... الفوتر ستيلو بيك...كلنا نجهله... إي نعم، عقب عزيز
- ولدينا فنان تشكيلي من أوقيانيا، بلد بعيد عنا، وستكون فرصة لفتح روابط ديبلوماسية مع ذلك البلد.(تابع وهو يبتسم وينظر الى عزيز)، ترى كيف نهدف الى ابعد من العلاقات الفنية... وستشاركنا فنانة من الخليج العربي.
التفت نحو نائبه الجالس بقربه ووشوش له في اذنه كأنه يسأله عن أشياء لايريد كشفها للحاضرين، وكان النائب يهز رأسه بالإيجاب:
- قد تم انجاز كل شيء، تذاكر العودة، والغرف بفندق عين شمس... و
- والمينيبوس؟ تساءل الرئيس؟
- والمينيبوس كذلك، وسيبقى تحت تصرفنا طيلة المهرجان، تابع النائب.
انحنى عزيز على مهدي وهتف في أذنه:
- الأجانب مبرعين أخاي!
ابتسم مهدي ولم يرد، مما أثار انتباه الرئيس فخاطب عزيز مستفسرا:
- هل من مشكلة؟
وضع عزيز ما تبقى بيده من خبز وتراجع بنصف جسده ثم أجاب وعلامات الغضب تعلو وجهه:
- نعم هناك مشكلة، بل مشكلة ونحن في بداية المشوار. يبدو أن الضيوف الأجانب سيكونون في بحبوحة من النعم: تذاكر السفر ذهابا وإيابا وفندق عين شمس خمس نجوم ومينيبوس تحت تصرفهم، بينما نحن، ضيوفكم المغاربة... انك ادرى بحالنا، الأوطيل من الدرجة الثالثة، وغرف بأسرة مشتركة، ونوعية الاكل التي معروضة امامنا اليوم... والماراطون كل يوم...
- كفى كفى يا... عزيز، رد الرئيس بنبرة قوية، وبوجه عبوس مُتجهِّم. انت لست هنا لتنتقدنا، انك ضيف كسائر الضيوف...
- لكن من حقي أن أبدي برأيي في ما نعانيه، الاخوة الحاضرون صامتون مع ان سخطا وعدم الرضى يعتريان دواخلهم، احترم الاخوة الشباب المبتدئين...تنقصهم التجربة، والبعض يهمه لتتويج مشاركته بشهادة... ونشر الصور على الفضاء الازرق بجانب الباشا والقائد و...الصامتون، العازفون عن الكلام...
- كفى ارجوك...ربما ان هذا النقاش الثنائي سيطول. سنخصص جلسة تقييمية لأنشطة المهرجان...
ثم انتفض واقفا وتوجه نحو الحاضرين بنبرة عالية:
- ايها الاخوة الحاضرون، سنتوجه جميعا الى خيمة المعرض لتفقد عملية lakrouchaj.
تسابق الجميع نحو منفد الاوطيل، منهم من استقل سيارته الخاصة، ومنهم من تابع السير على الاقدام، وآخرون باتوا يجرون وراء الطاكسيات العابرة، منهم عزيز ورفيقه مهدي.
استقل الرئيس سيارته من نوع بيجو 301، وأقل بجانبه نائبه ثم انطلق عابرا الشارع دون ان يهتم بفوج الضيوف الراجلين وكأنهم لم يشاركوه طعام الفطور قبل سويعة. لم يعر اهتماما حتى لفتاتين مشاركتين، مع ان مقعد السيارة الخلفي بات شاغرا. كان يطقطق بيديه على المقود ويصك وجهه من حُميَّا الغضب الذي ركبه منذ مجادلة الفطور. التفت برأسه نحو نائبه دون أن يزيح بصره عن اتجاه السيارة، وبادره متسائلا:
- شفتي أشنو دار داك خيينا؟
رد النائب مندهشا:
- من تقصد؟
- سي عزيز...المبرزيت...يحشر أنفه فيما لايعنيه...شغلو هو يكون المهرجان دولي ولا وطني ولا... ماشي شغلو. لقد فاجأني بسؤاله لدرجة اني فقدت شهية الافطار وشعرت بالعرق يتفصد من مؤخرتي.
- لاتقلق ايها الرئيس، هو مجرد سؤال...
- مجرد سؤال؟! أنت لاتفهم شيئا، إنك تجهل النوايا، ولا تقرأ ما تحت السطور...عزيز هذا من العناصر المشوشة والمقلقة، أظنه يرغرغ أمرا، مبرزيت أو عايق براسو...نسي أن مهرجاناتنا تستضيف رسامين وصباغين أجانب من الدرجة الثالثة أو حتى الرابعة، مجهولين في بلدانهم، نستضيفهم ونوفر لهم ما لا نوفره لمواطنينا.
تابع وهو يطرق على المقود: أنا أعرف كل هذا، لكن ماعسايا أفعل؟ بحضور الأجانب نستطيع تمرير طلبيات الدعم بسهولة، ورغم ذلك كله ها أنت ترى كيف نحصل على زوج فرانك!!... لاتمكننا حتى من تغطية تنقلات الطاكسيات...كثير من المصاريف أسددها من مالي الخاص.
- أظن...مازال لدينا فائض... تبقى من الدورة الماضية.
- فائض؟ عن أي فائض تتحدث أنت؟ بغيتي تحمقني حتى أنت؟...
- ذلك ما أخبرني به أمين المال.
ضرب الرئيس بقوة على لوحة القيادة حتى تطايرت بعض البراغي من ثقوبها وصاح في نائبه، متجهم الوجه، مدمي العينين، ولسانه يرتغي رغوة لعابه...تفوح رائحته :
- أنا هو أمين المال...أنا الرئيس...أنا الجمعية كلها، ولا كلمة تعلو على كلامي... هل فهمت؟
- نعم، فهمت... أنا فقط حاولت أن أذكرك.
- كان عليك أن تتفقد سير المشاركين قبل أن تدعوهم للمشاركة... مابغيناش المبرزتين بحال داك عزيز. ومن الآن فصاعدا لن نقبل أي فنان جمعوي أو مُنقَّب أو له تدوينات ثائرة.
أفكر في حيلة تساعدني على التخلص من ذلك الحقير. أخشى أن يضايقني بأسئلته أمام سعادة الباشا وسيادة الرئيس الإقليمي. ماذا سأفعل؟!
- نرد له لوحاته ونطلب منه الرحيل... نؤدي له تذكرة الكار.
- بهذه السهولة؟ هل تظن أنه سيستسلم؟ سيفضحنا أمام الصحافة وعلى صفحات الفيسبوك، وربما سيقاضينا إلى المحكمة، لن يربح شيئا من ورائنا لكنه بذلك سيشوه سمعتنا وبالتاي نخسر المشروع كله. أطلب منك أن تراقبه وتتتبع كل خطاه، عليك أن تصبح مثل ظله، أريد أن أعرف كل تحركاته وأقواله وتدخلاته، عليك أن تقرأ أفكاره قبل أن يترجمها إلى أقوال وأفعال. هذه مهمتك من الآن فصاعدا. هل فهمت؟
- نعم. فهمت.
أوقف السيارة مواجها ساحة الأمم المتحدة وأسكت المحرك وبقي شارد البصر، ذاهل الفكر. وبعد لحظات من التأمل والتفكير دار نحو نائبه مخاطبا:
- اذهب أنت الآن ونفذ ما قلت لك ولاتستشعره بوجودك وترقبك إياه. سجل كل تحركاته بالصوت والصورة...حاول أن تأخذ بخاطره حينما يطلب منك شيئا...اذهب الآن وسنلتقي بعد الغذاء.
أضفت الخيمة القائدية tente caïdale على الساحة الأممية رونقا وبهاء، بحجمها الكبير وألوان الرايات والأعلام والأضواء التي تشع أنوارها من حين لآخر، والموسيقى المنبعتة من مكبرات الصوت السوداء، الموزعة يمينا وشمالا. كانت معزوفة "رقصة الأطلس" لعبد القادر الراشدي، يعبق شداها سماء الفضاء الرحب فيطرب القاصي والداني، فترى بعض المشاركين في المعرض ممن اختاروا البقاء خارج الخيمة، التي بدأت حرارة الشمس تتسلل بين عروق نسيجها كما ينساب الماء العذب بين حبات الرمل، يتتبعون الألحان بحركات من رؤوسهم أو يطقطقون بأرجلهم على الإسفلت. كانت لحظة من أجمل لحظات مهرجان الداليا ولربما أروعه على الإطلاق. الخيمة والرايات والأنوار تذكر بإحدى صبيحات الثالث من مارس، أعياد العرش الحسنية، وقد نصبت الخيام وفرشت بالزرابي والسجاد، وعلقت الأعلام وأشعلت الأنوار وملأت الأنغام الأجواء بأصوات مطربين باتوا ملتزمين بالمناسبات الوطنية...وزكمت الأنوف بروائح الشاي المنعنع، تتخللها نسائم الشيبة والسالمية ولعطرشة واللويزة وأترعت الكؤوس تعلوها رغوات تعكس فقاعاتها المناظر المجاورة...
ولج عزيز باب الخيمة الواسع دون أن يكترت للحارس السيكوريتي المتسمر في مكانه المألوف، كأنه منحوتة من فن الإبرياليزم استقدمت من دهاليز متحف نيويورك... كان الرجل يتتبعه ببصره ككاميرا مراقبة تسجل تحركاته. ربما أنه توصل بتقرير صباحي عن الشغب الذي دار على مائدة الفطور...دخل عزيز رافعا رأسه، متأبطا محفظته، موبايله في يده... ولم يبال بما حوله. طاف بأرجاء الخيمة، يتأمل اللوحات المعلقة، البعض فوق والبعض تحت، وأخريات مائلات، مترنحات وكأنهن غير راضيات...أثبتت تحت كل لوحة بطاقة بيضاء تحمل اسم الفنان وعنوان العمل وثمنه، ومن البطاقات ما زعزع الانسجام العام، بمقاساتها ووضعها قريبة من الإطارات.
ارتمى إلى مسامعه ضجيج وصياح وكأنه خصام وجدال حول أشياء تتعلق بالعرض، توجه نحو مصدر الأصوات ليتبين عنصرين من المشاركين في خلاف مع أحد المنظمين الساهرين على تهيئ المعرض. كانا غير راضيين تماما حينما اكتشفا أن لوحاتهما لم تعرض كلها، مع أنهما سبق أن توصلا برسالة تخبرهما أن جميع الأعمال التي أرسلوا صورها قوبلت من طرف اللجنة المسؤولة عن الاختيار، ومما زادهما غيظا وحنقا حين علما أن سيادة الرئيس هو من أبعد الأعمال.
تقدم عزيز من الشخصين محاولا تهدئة روعهما، والتفت نحو الجمعوي سائلا:
- أين كوميسير المعرض؟ هو من سيعالج المسألة.
توقف الجمعوي عن دق المسمار والتفت نحو ليرد عليه، مستغربا، وجبينه يتفصد عرقا:
- الكوميسير؟! ليس هنا، ربما سيحضر مع Staff الباشا ساعة التدشين.
انفجر الخصمان ضاحكيْن متناسيين للحظة ما كان عليه من شجار، بينما اكتفى عزيز بابتسامة مِلؤها السخرية والازدراء، وخاطب الجمعويً موضحا:
- أقصد الشخص المسؤول عن المعرض، أين أجده؟
- الرئيس هو المسؤول...ليس هناك غيره...هو من أرانا كيف وأين نضع اللوحات.
- أه! فهمت... سيادة الرئيس هو كل شيء.
خطا عزيز خطوات فإذا به يتواجد داخل فضاء تَمَلَّأَ أشياء تراثية: خشبيات، نحاسيات، خزفيات، معدنيات، نسيج، زرابي...ظنه محل لتاجر عاديات antiquaire. ذهل من المنظر أمامه وكأنه في حضرة جوطية كزابراطا فتوجه نحو الجمعوي الذي مازال يرصده ببصره والمطرقة في يده:
- أش هاد شي؟ هذا معرض فني ولاًصناعة تقليدية؟!
رد عليه بتلعثم:
- هادو حوايج الحاج معنينو صاحب البزار لي فالشارع هو من الداعمين للمهرجان. منح هذه الزرابي المفروشة وخيوط الإنارة وتكفل بالشاي ولهبيلة.
- لهبيلة؟!
- نعم. غْريبة مصنوعة من الزيت والسميد.
تركه عزيز وهو يردد:
- لهبيلة...لهبيلة...إوا مستشفى الحمًاق هذا.
التف مجموع المشاركين حول موائد الغذاء، وبدأت الصحون تتطاير فوق الرؤوس، دون أن تثير اهتمام الضيوف الذين كانوا ينتظرون حضور الرئيس ويتشوقون لرؤية ضيفة الشرف، الدكتورة الناقدة هيفاء جورج عصام، المعروفة على صعيد الخليج العربي كمستشارة لوكلاء الثقافة والفنون. تبدي بآرائها التي لاترد ولايمكن الاستعاضة انها أبدا. هي صاحبة القرار والاختيار في كل شيء، استضافة الفنانين، والعروض بالمتاحف، الاقتناءات، المزادات... تقضي مواسيمها الثقافية تتجول عبر جنبات المثلث الخصيب، بدءا من بحر الخليج وبحر العرب، مرورا بباب المندب،وحتى شواطئ البحر الأحمر، وهكذا دواليك...عرفت الدكتورة هيفاء بمحاضراتها المنشورة بصيغة Pdf والتي يمكن تصفحها عبر محرك غوغل: "الرسم بطريقة المنظور" و" الفن الفطري فن عربي أصيل"، تقنية الستيلو بيك والفوتر"...
حضرت الدكتورة يتقدمها الرئيس في أبهته، تعلو رأسه تشويكة لامعة زرقاء، انعكست عليها زرقة كوستيم الترگال المناسباتي. بينما غاص المكان في موجات عطر شارقي عبقت به الأجواء فستر روائح الطعام القادمة من المطبخ. علت رأسها تسريحة شعر حديثة التوليف، لايبدو أنها أمست رفيقتها خلال رحلتها الجوية...تركيبة كوافير في بداية نضارتها ولمعانها، تتقاسم اللون مع الحاجبين المسطرين بإبداع، والشفتين المكتنزتين المحمرتين أشد احمرار، لولاهما لفقد الوجه كتلته، والوجنتان كثافتهما. من أول نظرة تظن نفسك بحضرة سميرة توفيق في زمانها، يوم كانت تطلع علينا بالأبيض والأسود في مسلسلل ......فخامة وضخامة وعيون مشرئبة، جاحظة تشع ذكاء ودهاء، وأشفار ممدودة كأوتار الكمان، وصدر منهد يقفز إلى الأمام كبلكونة الرسام مانيه، وخصر مكور يشكل مع النهدين قمم مثلت متساوي الأبعاد، قاعدته انقلبت على قمته، فاختلت موازين الجمال وتخلخلت معايير الانسجام. وكشح ممتلئ، إن وقفت بحضرتها خلتها واحدة من نسوة les 3 grâces صواحب الرسام الهولندي روبانس...
انتصب الرئيس واقفا، وعلى وجهه ابتسامة كشفت عن أسنان رثة، متآكلة، يفوقها ناب ضخم كعمود إيوني، إغريقي. قلد حركته بعض المتملقين، منهم من تقدم وظهره مقوسا لمصافحة الدكتورة المحاضرة، عساه يرسخ صورتها بذاكرته، فتغدق عليه، في يوم من الأيام من نعماتها، ومنهم من تسمر في مكانه واقفا، تأدبا، ينتظر إشارة الرئيس له بالجلوس.
جر المضيف المقعد ليفسح المجال لضيفته حتى لاتتضايق بين الكرسي والطاولة، فنزلت بثقلها على المربع الجلدي حتى أصدر هيكله الخشبي طقطقة رقيقة انساب صداها بين صخب القاعة.
غطس الجميع وسط صحون السلاطة يقلبون بشوكاتهم قطع الطماطم الممزوجة بشيء من الخس والبصل والمقدنوس المفروم، وخيم على المكان صمت رهيب تتقاطعه من حين لآخر رنات الشوكات تصادم السكاكين على جنبات الأطباق الخزفية البيضاء...وكلما غادرت الوجوه الصحون استرقت العيون النظرات، تتجسس حال المدير وضيفته، التي كانت تمضغ ما بفيها من عصارة بشفتين مطبقتين، تتمددان من حين لآخر لتردا الابتسامات الواردة من هنا وهناك.

حمل المدير محفظته على فخديه وأخرج منها ورقة ملفوفة، يحاول جاهدا نشرها بين يديه وهي تعاكسه راجعة الكَرًة إلى حالها وكأنها ترفض أن تكشف عن وجهها للدكتورة الناقدة. مدت هذه أصابعها الثخينة تتراقص على رنات أسورة ذهبية تدلت على معصمها تحاول إرغام الورقة العنيفة الثائرة، مَذلة، على الخنوع لأمر الرئيس. ...
- واو... ملصق جميل...
وابتسامة تعلو وجهها فتعزل وجنتيها، تدفعهما نحو عينيها الكحلاوين:"أعجبني كثيرا... براڥو".
مال الرئيس نحوها قليلا وأسنانه الرثة تتدافع نحو شفتيه الخشنتين لتعبرا عن ابتسامة تعكس عقله الجاف وردد بنبرة خافتة:
- أعجبك...شكرا...أنا من صممه...
تراجعت قليلا إلى الوراء كأنها تتفادى بَخات فمه وردت في إعجاب:
- أوووه، أنت صممته! أوووه، فنان مبدع.
أمالت الملصق نحوها لتقرأ ما تخم به من نصوص مختلفة التيبوغرافيا، متنوعة الألوان. كانت فرصة لعزيز كي يتطلع إلى المنشور فيبدي برأيه نحوه. شعر الرئيس بما يعتمل بخاطره، وتصبو إليه نواياه، فجر إليه الورقة يحاول إفلاتها من يد الدكتورة، لكن عزيز فاجأه بتعليقه:
- أجد الملصق هذا مشحون اشوية...يحمل كثيرا من الأشياء: رسوم وصور وخطوط مختلفة النوع والشكل... نصوص بعيدة/قريبة...القراءة مشوشة...
وضع عيناه في عيني الرئيس وتابع:
- كان عليكم إسناد تصميم الملصق إلى مختص گرافيست، المسألة ليست سهلة...
تنحنح الرئيس ورد، يكاد يتمزع من الغيظ:
- نحن فنانون مبدعون ولسنا بحاجة لمختص خارج جمعيتنا، والملصق هذا اتفقنا عليه كلنا.
- من كلكم؟!
- نحن أعضاء مكتب الجمعية... المنظمون للمهرجان.
- لاحظت أنك أنت الجمعية وأنت كل شيء، وأوامرك نافدة لاتناقش.
لف الرئيس الملصق ويداه ترتعشان وقد علت وجهه سحابة رمادية وكأنه تمرمغ في دقيق أبيض. شعرت الدكتورة بارتباكه وقالت محاولة تهدئة النقاش:
- أرى أنه ملصق جميل، جامع شامل... وقد بذل فيه مجهود ليس بالهين.
تابع عزيز نقده غير مكترث بملاحظة الدكتورة:
- أنت وحدك تقوم بكل شيء، تصمم الملصق وتنظم المعرض وتسعى وراء الصحافيين وتستقبل الضيوف... لابزاف عليك هادشي... كان عليك تعيين un commissaire d'exposition، يسهر على المعرض من A الى Z ويبقى هو المسؤول، وتكلف من يصمم الوثائق: الدعوات والملصق والمناشير والكتالوج، يستشيرك ولاتفرض عليه رأيك فيما يخص الجانب الفني الاحترافي، هداك شغلو هو.
استرعى العرض انتباه الدكتورة فمالت نحو عزيز جاعلة ذقنها بين كفيها، مسندة ذراعيها إلى حافة الطاولة، بينما الرئيس لف الورقة ووضعها أمامه لينصت مرغما.
- عمل مثل هذا الذي تقومون به، يتطلب تكوين خلايا تسند اليها مهمات واضحة: خلية الاعلام والتواصل، خلية اللوجيستيك، خلية المعرض، خلية الضيوف والاستقبال وهكذا. أنت رئيس الجمعية وليس من الضروري أن تنتمي لأية خلية، بل أنت من يقوم بالتنسيق العام، تتلقى تقارير الخلايا في كل أمسية. ولاننس أن الوثائق التي تصدرونها هي وجه الجمعية والمهرجان، كل شيء سيمضي وسيبقى الكتالوج للتاريخ، وثيقة مرجعية يعتمدها الباحث مستقبلا.
التفت عزيز نحو الدكتورة كأنه يخاطبها هي بالذات وتابع:
- الفارق الأساس بين الجيل الأول من الفنانين والاجيال الحالية يتجلى في الوثائق والاعتناء بها شكلا ومضمونا، هم أصدروا كتالوجات جماعية وفردية تعد وثائق تؤرخ للحركة التشكيلية، كانوا ينشطون للتاريخ، لإثبات وجودهم، وذواتهم عبر الإبداع الأصيل بنوا ذواتهم للاستمرارية، ولو بعد مماتهم. اما اليوم فقليلون هم الفنانون الذين ينشطون فرادى ويوثقون تحركاتهم بكتالوجات جميلة، أما عامة القوم فتجدهم يجرون وراء أنشطة جماعية، تغيب خلالها ذواتهم وتجاربهم، ويتباهون بشهادات المشاركة لاتسمن ولاتغني من جوع...le statut de l'artiste a radicalement changé.
حركت الدكتورة رأسها يمينا وشمالا وكأنها توحي اليه بعدم فهمها كلماته الفرنسية. ابتسم عزيز وخاطبها شارحا:
- ان قانون الفنان تغير جذريا...خلال العقود الاخيرة.
- تماما أستاذ. كل ماقلته صح. أنا معك في طرحك.
لم يرُق الرئيس تعقيب الدكتورة، فانتفض واقفا يخاطب الجمع، شاردا ببصره نحو الدكتورة التي تقدمت من عزيز تتحدث إليه، واضعة كارت ڥزيت في يده:
- سنلتقي بعد ساعة من الآن لحضور افتتاح المعرض
.

Commentaires

Articles les plus consultés