تساؤلات حول الحداثة الفنية العربية



إن تاريخ العرب الحديث ابتداء من عصر النهضة إلى اليوم، هو من ابتداع الغرب، بصورة مباشرة أو غير مباشرة، وما فصوله وحلقاته إلا ردود أفعال وتحدي للهيمنة الغربية في محاولة لإثبات الذات وتحقيق الهوية.

إن علاقتنا بالغرب مبنية على شعور بالنقص. فالغرب، المتحضر والمتفوق والراقي، أصبح بالنسبة إلينا النموذج المعبود Idole. وأصبح منظار الغربي منظارنا، نرى به حقيقتنا، ونبني من خلاله مجتمعاتنا، وندون تاريخنا انطلاقا مما يقدمه لنا من صور ورؤى وتصورات. لدى أصبح «همنا الأول – عن وعي أو عن غير وعي-أن نحظى برضى الغربي وإعجابه"1.وهذا الشعور بالنقص اتجاه الآخر يتجلى انعكاسه بصور مختلفة، تبدو في حقيقتها أنها محقرة لذواتنا، مما يدفعنا للإدلاء ببراهين تثبت وجودنا من خلال العودة إلى التراث وتقديمه كمادة تأثيرية كان لها السبق في تأسيس الحضارة الغربية وتأصيل قيمها الفكرية، الأدبية والفلسفية والجمالية". وما هذه المحاولات من الوجهة السيكولوجية غير تعبير عن هذا الشعور بالنقص ومحاولة التعويض عنه بإيجاد صلة مشرفة تربطنا بالغرب وتجعلنا جزءا منه ولو من زاوية تاريخية مجردة. إننا في تفاخرنا وتبجحنا بعطائنا الحضاري له إنما نؤكد رغبتنا الخفية في أن نكون مثله لنحظى بقبوله وبإعجابه"2.
ألا ينطبق هذا الكلام على التجربة التشكيلية الحداثية العربية، التي اتخذت من الموروث الفني الإسلامي (الحرف العربي والعربسة والخامات التقليدية...)، والأمازيغي (حروف تيفناغ  والأوشام...) دعامات تواجه بها تحديات الحداثة الغربية القوية، لتثبت وجودها كعنصر فعال، مساهم في سيرورة الحركة الحداثية الكونية؟ ألا يتخذ الفنان التشكيلي العربي زميله الغربي نموذجا (Idole) يحتذي به، ويقتفي خطواته ويتقمص شخصيته ويرى العالم بمنظاره؟
ألم تحاول الحداثة بنسختها العربية أن تؤسس لنفسها شخصية تكون ندا للحداثة الأوروبية، عبر "إيجاد صلة مشرفة تربطها بالغرب وتجعلها جزءا منه"؟ ألا يمكن اعتبار التجارب الحداثية، في كل أقطار الوطن العربي، "من الوجهة السيكولوجية غير تعبير عن هذا الشعور بالنقص ومحاولة التعويض عنه بإيجاد صلة مشرفة تربطنا بالغرب وتجعلنا جزءا منه ولو من زاوية تاريخية مجردة"؟ ألم يكن ﻣﻮﻗﻔﻬﺎ ذراﺋﻌيا أكثر منه ﻋﻘﺎﺋﺪيا؟ ألم تعتمد الأصالة كموقف مجابه ورد فعل رافض ووسيلة إنقاذ بدل اعتمادها كمنطلق أساسي لبناء فن عربي متميز؟ هل حقا أن الحداثة الفنية العربية، كقرينتها الأدبية، "تؤول إلى واحدة من اثنتين: إما حداثة طوباوية، تتوسل بالرفض والتجديد والأسئلة الجذرية والمراهنة على قوة الإبداع في تجاوز مأزق العصرية، وإما حداثة جدلية تؤمن بجدلية التغيير، وضرورة ممارسة النقد الإيديولوجي من منظور التاريخانية الماركسية،" كما جاء في كلام محمد برادة3.
هل حقا أن الإنجاز الحقيقي للحداثة الفنية العربية جعل الإنسان مصدرا للمعايير، بدلا من أن يكون خاضعا لمعايير تفرض عليه من خارج محيطه وذاته، تجعله يزداد غربة واغترابا؟
إنها فعلا أسئلة إشكالية، شائكة، تتطلب بحوثا معمقة تسائل التاريخ وفلسفة الفن والفلسفة بشقها النقدي المعاصر، أملا في العثور على أجوبة مقنعة وشافية.
إن الحداثة في الآدب، كما أوضحت ذلك الباحثة خالدة سعيد، ارتبطت بالإبداع الذي جعل المبدع يتجاوز ذاته وينتقدها في كثير من الأحيان، محاولا البحث عن لغة جديدة، بعيدة عن المحاكاة و"سقوط النماذج فيما يشبه أسطورة الموت – الولادة"4. فهل يا ترى قطعت الحداثة الفنية العربية نفس المسار بجعلها المبدع/الفنان يتجاوز ذاته وينتقدها بغية تأسيس لغة جديدة بعيدة عن المحاكاة واقتفاء آثار النماذج التقليدية Conventionnels، المتجاوزة، سواء منها تلك الوافدة "في صناديق المستعمر" أو المتجذرة في التراث.
إن مفهوم الحداثة مرتبط بمفهوم الإبداع، بل إن هذا الأخير شرط أساسي من شروط الحداثة، وأكثر من هذا أنهما يتبادلان المواقع إذ لا حداثة بدون إبداع كما لا إبداع في غياب حداثة. والإبداع يبقى معيارها الأساس كما بين ذلك كل من الشاعر الفرنسي شارل بودلير(1821-1867) في مقالة عن الرسام كنستنتان ﯕيز Constantin Guys ، نشرت بجريدة لوفيغارو عام 1863، بعنوان "رسام الحياة الحديثة". نفس المعنى نجده عند الفيلسوف الألماني هيغل (1770ـ 1831)، الذي استعمل "الأزمنة الحديثة" في كتابه "فينونمينولوجيا الروح"، متفقا مع الشاعر في كون تلك الأزمنة تجد معيارها في ذاتها، أي أنها لا تحتاج لمعايير من خارجها. والحالة هذه، أي في غياب معيارمن هذا النوع، هل نعتبر أنفسنا غير حداثيين؟ أي غير مبدعين؟
إذا اعتمدنا تعريفي بودلير وهيغل تبن لنا بوضوح الشمس أن حداثتنا هي اليوم، إذا جاز الحديث عن ذلك، لا تجد معيارها في ذاتها. فهي إما أنها تستند على ما يفد من الغرب وإما أنها تستشف حضورها من سلطة  الماضي"5.
إن مفهوم الإبداع يتجلى من خلال الجدة والأصالة، كما حلل ذلك المفكر محمد عابد الجابري حينما تحدث عن "أزمة الفكر العربي المعاصر" ليبرهن على أن الخطاب العربي الحديث والمعاصر "لم يسجل أي تقدم حقيقي في أي قضية من قضاياه منذ كان خطابا مبشرا بالنهضة"، ويرجع السبب في ذلك حسب الجابري، إلى كون "الآلية المنتجة لهذا الفكر تعتمد "النموذج -السالف" ومن تم ظل هذا الفكر يتنازعه الماضي العربي الإسلامي والحاضر الأوروبي، وظل بذلك يستمد مفاهيمه من واقع ليس هو الواقع العربي. وبذلك تحولت هذه المفاهيم إلى "بدائل" خطابية كلامية. وكان المفروض فيها أن تكون دوال على معطيات واقعية. وبذلك أيضا فقدت الذات العربية استقلالها التاريخي، وظلت خاضعة لسلطة النموذج – نموذج الماضي أو النموذج الغربي – وآليات التفكير التي يكرسها"6.


هوامش:
1-      هشام شرابي، مقدمات لدراسة المجتمع ، الأهلية للنشر والتوزيع ، بيروت. 1977.
2-      نفس المصدر.
3-      محمد برادة، اعتبارات نظرية لتحديد مفهوم الحداثة. فصول، مجلد 4(3)، (أبريل/ماي/يونيو, 1984).
4-      خالدة سعيد، الملامح الفكرية للحداثة. مقدمة التحرير، فصول، مجلد 4(3)، (أبريل/ماي/يونيو, 1984).
5-      الزواوي بغورة، الحداثة ومابعد الحداثة، موقع https://youtu.be/Ga-XWezpEio
6-      محمد عابد الجابري، أزمة الإبداع في الفكر العربي. مجلة فصول (مقدمة التحرير)، مج.4، عدد 3، (أبريل، ماي، يونيو 1984).




Commentaires

Articles les plus consultés