ماهية الفنون الجديدة: الحداثة/ مابعد الحداثة الفنيتين
ماذا يقصد بالفنون الجديدة؟
جديدة بالمقارنة مع ماذا؟ أمع
الممارسات التي يعج بها المشهد العربي منذ أن غزته التيارات الفنية الأوروبية
الحديثة؟ أين كانت الجدة حاضرة ونحن نتواجد أمام ظواهر فنية تعتبر متجاوزة تاريخيا
وجماليا؟
هي متجاوزة حينما نقف على حقيقة
تاريخية تثبت أن المجتمعات الغربية لما
تخطت مرحلة الحداثة وتجاوزتها إلى ما بعد الحداثة، بقي الفكر العربي الحديث يعيش
صراع تحديات ما يعرف بالحداثة العربية،
وحينما نتحدث عن الفكر العربي فإننا بداهة لا نستثني ما عرف بالحداثة الفنية، التي
شكل احتكاكها مع الغرب صدمة آذنت "بولادة قسرية جديدة للوعي التاريخي
والحضاري" [1]
عند الفنان العربي. فالحداثة العربية عامة والفنية خاصة، وجدت نفسها في مواجهة
حداثة غربية عنيفة، سلطوية، قمعية، رافضة لثقافات الأمم التي انعكست عليها نتائج
الحداثة. لكن رغم ذلك نجد أن الحداثة الفنية في الغرب لم تقم لها قائمة إلا
بارتكازها على مرجعيات ثقافة الشعوب التي كان ينظر إليها على أنها بدائية، متخلفة
ولا حضارية. وسنعود إلى تحليل هذه النقطة بالتفصيل.
ما هي معايير الجدة التي يمكن
اعتمادها لتمييز هذه "الفنون الجديدة" عن غيرها؟ ما هي الإضافات التي
استحدثها الفنانون المعاصرون ومن قبلهم مساهمة في تاريخ الفن العالمي؟ هل تعتبر تلك
الفنون "جديدة" على المتلقي العربي، لكونه لم يألف مشاهدة ما تعرضه عليه
في الأروقة والمتاحف، وما تصادفه عيناه على صفحات الفضاء الأزرق من صور أثيرية؟
أسئلة تثير كثيرا من الفضول وتعود
لتتداول باستمرار في كثير من الكتابات النقدية، وتلح علينا بقوة في نصوص حاول
أصحابها أن يؤرخوا للحركة التشكيلية العربية. إن
تأريخ الفن التشكيلي
العربي يعد إشكالية تستوجب
الوقوف عندها بتأمل
ونقد عميقين، فما
كتب من محاولات
لضبط السيرورة الكرنولوجية
والمعالم الجمالية لهذا الجنس الإبداعي
لا تخلو من نقص
ولبس ومغالطات، علمية
وجمالية ومنهجية.
فكرة "الجديد" شكلت منذ
عقود الموضوع الرئيسي لدى العديد من الكتاب الغربيين الذين يرتابون، إلى درجة
النكران من أصالة الممارسات الفنية التي قدمها الفنانون العرب منذ مرحلة تأسيس
البوادر الأولى للحركة التشكيلية العربية أواخر القرن التاسع عشر، ومحاولات
تأصيلها خلال القرن العشرين. ويبقى في رأيهم، ما أنجز عبارة عن نسخ مقتبسة أو مأخوذة
عن تيارات حداثية غربية، كالتكعيبية والسريالية والتجريدية وغيرها. هذا كله
كلام صحيح وخطأ
في نفس الوقت.
صحيح
بالنسبة للذين
يتصورون البلاد العربية أرضا
بلا حضارة ولا فن ولا فكر
وهؤلاء كثر، لهم نظرة
ضيقة للأشياء وللتاريخ، متشبعون بالفرنكوفونية
والأنجلفونية المستلبتين، يقتفون
خطى من سبقهم
من المستشرقين، فيرون
أن الفن التشكيلي في
البلاد العربية برز "كشرارة ألعاب
نارية"، قبلها ظلام
وبعد انطفائها ظلام،
ليس لها ماض
ولا تتضح لها معالم
مستقبل، فهو في تصورهم بضاعة حديثة الميلاد
"
وفدت في صناديق
المستعمر".
تحدثت الناقدة طوني ماريني في كتابها
(Ecrits sur l’art) عن أمثلة لنقاد مستشرقين
ومواقفهم السلبية من إبداعات الفنانين المغاربة، بداية من كتابات المستشرق الفرنسي
سانت إنيان (Saint Aignan) خلال خمسينيات القرن
العشرين، وما كتبه الناقد الإيطالي ليونيل فانتوري (lionelle
Venturi) عام 1959، في مجلة (L’Espresso)مدعيا «أن لا أحد كان ينتظر ولادة مفاجئة لرسم غربي حديث
بالمغرب"، وعبارة ميشيل راغون (Michel Ragon) عام 1964 في مجلة (Jardin des Arts, n°114)
: "ها قد ولد الفن المغربي". وقبله بقليل تصريح الكاتب جاستون دييل (Gaston Diehl) بولادة "اللوحة
المغربية الشابة"، وفي عام 1979، يخرج علينا الكاتب الصحفي لوك لومير (Luc
lemaire) بقوله:"ازداد الطفل...المغرب يكتشف
هويته من جديد"، ونصل إلى عام 1984 لنقرأ في كتاب ألان فلامان (Alain Flamand): " إنه من الصعب أن
نتحدث عن اللوحة في المغرب، اعتبارا لتاريخها الفتي".[2]
إن ما يجري على المغرب ينطبق على باقي
الأقطار العربية، بحكم حضارة وهوية موحدتين وتاريخ متقاسم، بما اعتوره من عوامل
التقدم والتخلف، والمصائر التي لاقاها الوطن العربي إثر خضوعه للاستعمار الأوروبي.
وأضرب هنا مثالا من تونس حيث يصرح علي بلاغة (1942-2006)، أحد فنانين "مدرسة
تونس"[3]
بأن التصوير التونسي "مازال شابا، لكنه ينمو كما ينمو كل الشباب"[4].
نتساءل
إذا كانت
البلاد العربية قبل عهد الاستعمار-الانتداب والحماية -تعيش بلا فن ولا جمالية؟
أظن أننا جميعا
نعرف الإجابة ونعيشها
كما عاشها أجدادنا.
قصة
الشعلة هذه التي
برزت فجأة تحيلنا
دائما الى سؤال
يتكرر في مناسبات
ثقافية كثيرة ومازال
كثير من المتدخلين
يطرحونه ويعدونه إشكالية أساسية اعتمدت في بناء صرح تاريخ الحركة
التشكيلية العربية، محاولين
الإجابة عنه بشكل أو بآخر: ماذا أعطى
الفن الحديث الأوروبي
للفنانين التشكيليين العرب؟
لكن
في المقابل، يجب طرح التساؤل بالصيغة التالية
: ماذا
أخذ الفن الحديث
من الفنون العربية
الإسلامية كي يحقق
شرعيته ويثبت
وجوده؟
إن
الحداثة الفنية الأوروبية ،
ظهرت خلال القرن 19،
نتيجة القطيعة مع
الماضي والتراث الاغريقي/المسيحي/ النهضوي. لكن ما يحاول
بعض مؤرخي الفن الغربيين التستر عنه هو
أن تلك الحداثة
بنت ذاتها وشكلت
معيارها انطلاقا من
ماضي وتراث أمم
غير أوروبية، أمم
تعرفوا عليها وعلى
ثقافاتها من خلال استعمارها و استعباد شعوبها ونهب
ثرواتها وآثارها الفنية.
هذه
الحقيقة التي يجب
الوقوف عندها، لكن
بعض من أشاروا
إليها في كتاباتهم كتوني ماريني [5]مثلا، ساروا بعيدا
لدرجة المبالغة، حيث
حاولت الكاتبة
إسقاط نظرية الناقد الألماني رودولف أرنهييم [6]Rudolf
Arnheim التطورية
على الفن المغربي.
مفاد هذه النظرية"
أن الفن الحديث هو تتويج لتطور تاريخي طويل وأن الوعي بهذا الماضي المتعدد الأوجه يساهم في تحديد
معناه". و"ان الذاكرة سجلت واحتفظت في الغرب
- من خلال
إنشاء تاريخ الفن - بتفكير جمالي متعدد
الأوجه، ساهم بشكل قوي في تحديد الوعي الذاتي بالفن. وعي يبدأ
من عصور ما قبل التاريخ والجداريات القديمة، ويمر عبر قرون شهدت نهضة فنية متألقة،
ليصل إلى الفن الحديث، لينفتح على البحث في التصوير الخالص والواقع الموضوعي، واكتشاف التراث الفني الضخم، غير الغربي والعالمي، الذي
استفاد القرنان 19 و 20 من دروسه"[7].
لا أحد ينكر أن
الفن الحديث الأوروبي
"هو تتويج" لتحولات فكرية
وثقافية وجمالية عرفتها
أوربا منذ عصر
النهضة (القرنين 15 و16) وامتدت شرارتها إلى عصر التنوير (القرن 18)، لكن
المقارنة التي
حاولت توني ماريني تبنيها لإثبات أفكارها لا
يلمسها الواقع. لماذا؟
إن واقع التاريخ الأوروبي يختلف عن حقيقة
التاريخ المغربي ، الذي هو
جزء لا
يتجزأ من التاريخ العربي،
وبالتالي تاريخ الفكر
الأوروبي ليس مثيلا لتاريخ الفكر
العربي، ومن تم
تاريخ الفن الأوروبي
لا يمكن مقارنته
بتاريخ الفن العربي، فالسيرورة التاريخية
التي ميزت الفن
الأوروبي على
مدى قرون متتالية، مستمرة غير متقطعة، جعلته
يمشي منتصبا، فوق
الأرض، رافعا رأسه
عاليا عبر الزمن،
بينما الفن العربي
بات يحبو تحت
الأرض، Souterrain حسب تعبير
طوني ماريني نفسها. [8]الغريب أن ممن يكتبون
عن الفن حاليا
تبنوا هذه الفكرة
وتحدثوا عن الخرائط
والخرائطية والكارتوغرافية كمفاهيم
لتناول دراسة الفن
المغربي نقدا وتأريخا،
وهذا يكرس فكرة
التقطع والتشتت التي
ميزت العقل العربي
والتي وصفها محمد عابد الجابري بالجزر التي
لارابط بينها[9].
إشكالية تناول
تحليلها ابستمولوجيا الدكتور
محمد عابد الجابري
في مؤلفه
الضخم "نقد العقل
العربي" حيث بين أن
وعي الإنسان الأوروبي
الفكري يتمدد على 28 قرنا متتالية غير
متقطعة ولا منقطعة،
من القرن 8 قبل
المسيح إلى العصر
الحديث بينما وعي
الإنسان العربي الفكري
عرف تقطعات ونقط
سوداء سببها الازدواجية
في كتابة التاريخ: إذ يؤرخ للفكر والثقافة العربيين، كما
وضح الجابري بالأسر
الحاكمة، فنجد الأدب العربي في
العصر العباسي والشعر
في العصر الفاطمي
وهكذا، بينما أوروبا
يؤرخون لثقافتهم
بالقرون: الفن في
القرن السادس
عشر والسابع عشر...و تظهر الازدواجية
المحرجة حينما نؤرخ نحن العرب، لفترة القرون
الوسطى، أي
من القرن 6 إلى القرن
14 الميلاديين بالترقيم
الهجري، ثم ننتقل
اإى عصر النهضة
العربية فنؤرخ تبعا
للسنة الأوروبية بالترقيم
الميلادي أي القرن التاسع عشر وما
بعده، من تم يلاحظ أن فترة
تاريخية تمتد على مدى
أربعة قرون، الخامس عشر والسادس عشر والسابع عشر
والثامن عشر غائبة بالكلية
من التاريخ العربي،
مما شكل "حلقة مفقودة" حسب الجابري في
وعي الإنسان والفكر
العربيين [10] .
كتب محمد جميل بيهم[11]:
"إن هناك حلقة مفقودة في سلسلة تاريخنا القومي، لم يوفها حقها أي مؤلف، ذلك
لأن ما بين أيدينا من كتب التاريخ الخاصة بالعرب، إما أن تقف عند سقوط بغداد وظهور
السلطنة العثمانية، أو تتعدى مسرعة معظم الأجيال التي تليها ، معالجة موضوع النهضة
العربية الحديثة" .
فإذا
تذكرنا أن سقوط
بغداد كان عام 1258 م ، فإن بداية " الحلقة
المفقودة في تاريخ
العرب"، كما جاء
في كتاب محمد
جميل بيهم،
تكون من القرن الثالث عشر الميلادي وتنتهي بانتهاء الحرب العالمية"[12]
الأولى. فهي عبارة عن ستة
قرون ونصف، أي
ما يشكل نصف
ما مضى من
التاريخ الهجري، تاريخ
الإسلام، تاريخ الأمة
العربية. فلنتخيل إذاً
كيف سيكون الوعي
التاريخي والزمن الثقافي
لدى أبناء
أمة نصف تاريخها
حلقة مفقودة ؟
أكيد
سيكون على ما يعيشه
الإنسان العربي من
حالات التشتت والتمزق
والاغتراب والحيرة والانفلات والتبعية
واللاعقلانية...وبالتالي لا تاريخية الحداثة عامة ومنها
[1] BAHNASSI,
A. (1977). L’art contemporain dans son contexte socioculturel. Dans UNESCO
(Éd.), Projet pour une étude sur l'art contemporain dans son contexte
socioculturel. Tunis: UNESCO.
[3] تأسست مدرسة تونس عام 1936، وتعود فكرة تأسيسها إلى الرسام الفرنسي بيار بوشارل الذي كان يقيم آنذاك بتونس، وتكونت
المجموعة في البداية من أربعة رسامين هم بالإضافة إلى بوشارل انطونيو كوربورا
وموزس ليفي وكلود للوش، وبعد نهاية الحرب العالمية الثانية سنة 1949 وقع
ضم كل من يحيى التركي وعبد العزيز القرجي وعمار فرحات
ثم الهادي التركي وزبير التركي
و صفية فرحات و علي باللاغة و ادقار نقاش. وقد
ترأسها منذ البداية بوشارل ثم تولاها بعده يحيى التركي إلى عام 1969 تاريخ
وفاته، ثم عبد العزيز القرجي. (ويكيبيديا)
[4] ABDELMAJID TLATLI, « Ali
Bellagha : inviter les peintres étrangers à venir exposer en Tunisie », La Presse, 18
mai 1965,p.3
[5] (MARAINI, 2014)
[6] Rudolf
Arnheim رودولف
ارنهييم (2007 –
1904) ، كاتب من أصل ألماني، منظر الفن والسينما وعلم
النفس الإدراكي .
[7] (MARAINI, 2014)
[8] (MARAINI,
2014)
[9] د. محمد عابد الجابري.
(2009). نقد العقل العربي 1، تكوين العقل العربي، (الإصدار الطبعة العاشرة،
). بيروت: مركز دراسات الوحدة العربية،.
[10] (الجابري، 2009)
[11] بيهم, م. ج. (1950). الحلقة المفقودة في تاريخ العرب، الطبعة الأولى، القاهرة،
مكتبة مصطفى البابي الحلبي وأولاده. ص.6
[12] (بيهم، 1950)

Commentaires
Enregistrer un commentaire