التشكيل والتراث في غياب ابستمولوجيا البحث
1-
جل الكتابات المعاصرة التي تناولت
بالدراسة والتحليل التجربة التشكيلية الحديثة بالمغرب، وتحاول ربطها بالفنون
التقليدية والتراث الفني القديم، تقتصر على إعادة سرد بعض ما جاء في كتب المؤرخين الأجانب
و المغاربة على السواء، الذين لا تتجاوز نصوصهم مرحلة القراءة الوصفية لعناصر
التراث ومكوناته، سواء كان تراثا أمازيغيا أم عربيا، فجاء في كتاب "المنجز
التشكيلي في المغرب": هذا التراث الذي شيدوه (المغاربة)، ظل –من دون انسلاخ-
يستمد أسسه وملامحه من تربة الفنون العربية الخصبة، كما يتجسد ذلك في العمائر
والأضرحة والمساجد والمنازل التقليدية ومختلف الصنائع والمشغولات الشعبية التي
أبدعتها يد الصانع التقليدي المغربي من منتوجات معدنية، نحاسية وفضية، مزينة بنقوش
جميلة وبديعة كالصواني والأباريق والمباخر والقماقم وصناعة التسفير، أو التجليد
وتنميق الجلود وزخرفتها، وكذلك صناعة الزرابي والمنسوجات الحريرية الشفافة الملونة بألوان بهيجة، أو الموشاة بالذهب، فضلا
عن الحلي والأسلحة المزخرفة والخزفيات الملونة والأدوات الخشبية المزينة والمنقوشة
ببراعة نادرة..." نفس السرد الوصفي نجده لدى العديد من المستشرقين الذين
كتبوا عن التراث الفني المغربي، منهم جورج مارسيه و
شارل تيراس وبعض المؤلفين العرب و المغاربة أمثال عفيف بهنسي و عبد
العزيز بنعبد الله وغيرهما.
تفتقد أغلب النصوص الوصفية لمنهجية
الحفر فيما وراء ظاهر الصورة فيكتفي صاحبها بالحكي عن اللون والخط والتزويق...وهذا
الحكي لا يساعد على الكشف عن حقيقة الشكل والرمز والتكوين وبالتالي توضيح مدى عمق
المقاربة الإبداعية التي يسرت عمليات التلاقح بين القديم والجديد. فجل الكتاب
يفتقدون إلى الثقافة التشكيلية/الجمالية التي تمكنهم من قراءة وتحليل ذلك التراث، وإذا
توفرت لديهم هذه الثقافة، يتجاهلون توظيفها في قراءاتهم فتكون نصوصهم خالية من أي
منهجية نقدية تساعد المتلقي على فهم واستيعاب مكونات الموضوع المطروح للدراسة
والتحليل. فتجدهم يكتفون بذكر الزرابي والصواني والاواني والصوامع وتزاويق الاضرحة
والمساجد وغير ذلك، يذكرون ما هو ظاهر ولا ينفذون لما هو مخفي و مستور، لا احد ينفذ
الى أعماق "العالم المستقل" الخاص بمعالم واثار الفن الإسلامي: التنظيم
الجمالي للفضاء المعماري او غيره، خطوط القوة التي توجه التنظيمات والتكوينات
الهندسية التي تملأ الجدران والارضية، التكوينات ذات البعدين المغيبة للوهم بالعمق،
كما لا نجد
أثرا لحفر معمق في أركيولوجيا الرموز والأوشام والتركيبات ذات المرجعية
الأمازيغية، وإحالتها إلى جذورها السوسيو ثقافية. فلا يتم مطلقا تناول جمالية هذه
الاشياء التي ذكرتها واصولها الفنية والاستطيقية وجماليات فضاءاتها وغير ذلك.
الجميع
يكتفي بكان لنا وكان عندنا... وهي مواقف غير مشرفة بل "كلها محقرة لنا ولقيمتنا تجاه أنفسنا كأفراد وكجماعات".
كلنا نعلم ان الامة المغربية لها تراث فني غني، بتنوع حضارات الامم التي ارست سفنها على شواطئ المغرب، تراث جمالي لا تمتد جذوره التاريخية فقط "إلى الأدارسة والمرابطين والموحدين والمرينيين والسعديين والعلويين" كما يعتقد البعض. إنها خيانة تاريخ المغرب الثقافي والفني حينما نغيب الحديث عن حقب حضارية ما قبل إسلامية، تركت آثارها ومازالت على واقعنا المتنوع والمختلف. أطرح السؤال بمنتهى البساطة على من يتنكرون في كتاباتهم عن الفن التشكيلي المغربي لحلقة تاريخية مازالت تشكل الحاضر كما كونت الماضي وستمتد إشعاعاتها لتسد أفق المستقبل، وأقصد هنا التراث الأمازيغي الثري. ماذا كان قبل الأدارسة؟ ألم تعودنا كتب التاريخ المدرسية على أن البرابرة هم سكان المغرب الأولون؟ مع تحفظي على كلمة برابرة.
ان مكونات منظومة الحضارة المغربية متنوعة ومختلفة، منها القائم الحي ومنها الراكد المخفي/الخفي، الذي ينتظر فرصة من يبرزه ويعيد فيه الحياة.
وإن ما يميز الحضارة المغربية كونها كانت مستقلة عن حضارة الشرق الإسلامي، بحكم الاستقلال السياسي والجغرافي الذي عرفه المغرب منذ تأسيس دولة الادارسة الى اليوم. كان المغرب مستقلا عن حكم خلفاء الشرق الإسلامي، الأمويون والعباسيون والعثمانيون خاصة، وبالتالي تولد عن ذلك الاستقلال السياسي استقلال فكري وثقافي وديني وفني. كان المغرب على مدى تاريخه امبراطورية لها ذاتها ووعيها الخاصين في استقلال تام عن ذات ووعي باقي الامبراطورية الإسلامية، من حدود الجزائر حتى مشارف بلاد الصين، فشساعة الأرض والامتداد الجغرافي جعل فنون وثقافة باقي الأقطار تتأثر بفنون وثقافات تلك الامم غير العربية، فنجد الآثار الفارسية والتر كية والهندوسية والصينية تلتقي و تختلط مع كل ما هو عربي لتنتج فنا اسلاميا تميز بالوحدة داخل التنوع وبتنوع داخل وحدة.
كان للمغرب فلاسفته و شعراؤه وأدباءه ، ومذهبه الديني بفقهائه، وكان له فنانوه وفنه، وعمارته المختلفة الاشكال والألوان والتكوينات التزيينية والفضاءات المعمارية، المختلفة أشد الاختلاف عن عمارة الشرق، لا من حيث الأشكال البنيوية (من البناء) ولا من حيث توزيع الفضاء وتأثيثه. وللمغرب أيضا تصاويره وصباغته التي كانت خاضعة لأوامر الإيديولوجيا الدينية وتشددها فيما يخص منع التصوير التشخيصي، فكان المغرب Iconoclaste أكثر من باقي الأمصار الإسلامية الأخرى. والحقيقة أن الوازع الديني لم يكن وحده الدافع إلى تغييب التصوير التشخيصي، بل كان لجمالية الفنون الأمازيغية حظها الأوفر في ذلك.
كلنا نعلم ان الامة المغربية لها تراث فني غني، بتنوع حضارات الامم التي ارست سفنها على شواطئ المغرب، تراث جمالي لا تمتد جذوره التاريخية فقط "إلى الأدارسة والمرابطين والموحدين والمرينيين والسعديين والعلويين" كما يعتقد البعض. إنها خيانة تاريخ المغرب الثقافي والفني حينما نغيب الحديث عن حقب حضارية ما قبل إسلامية، تركت آثارها ومازالت على واقعنا المتنوع والمختلف. أطرح السؤال بمنتهى البساطة على من يتنكرون في كتاباتهم عن الفن التشكيلي المغربي لحلقة تاريخية مازالت تشكل الحاضر كما كونت الماضي وستمتد إشعاعاتها لتسد أفق المستقبل، وأقصد هنا التراث الأمازيغي الثري. ماذا كان قبل الأدارسة؟ ألم تعودنا كتب التاريخ المدرسية على أن البرابرة هم سكان المغرب الأولون؟ مع تحفظي على كلمة برابرة.
ان مكونات منظومة الحضارة المغربية متنوعة ومختلفة، منها القائم الحي ومنها الراكد المخفي/الخفي، الذي ينتظر فرصة من يبرزه ويعيد فيه الحياة.
وإن ما يميز الحضارة المغربية كونها كانت مستقلة عن حضارة الشرق الإسلامي، بحكم الاستقلال السياسي والجغرافي الذي عرفه المغرب منذ تأسيس دولة الادارسة الى اليوم. كان المغرب مستقلا عن حكم خلفاء الشرق الإسلامي، الأمويون والعباسيون والعثمانيون خاصة، وبالتالي تولد عن ذلك الاستقلال السياسي استقلال فكري وثقافي وديني وفني. كان المغرب على مدى تاريخه امبراطورية لها ذاتها ووعيها الخاصين في استقلال تام عن ذات ووعي باقي الامبراطورية الإسلامية، من حدود الجزائر حتى مشارف بلاد الصين، فشساعة الأرض والامتداد الجغرافي جعل فنون وثقافة باقي الأقطار تتأثر بفنون وثقافات تلك الامم غير العربية، فنجد الآثار الفارسية والتر كية والهندوسية والصينية تلتقي و تختلط مع كل ما هو عربي لتنتج فنا اسلاميا تميز بالوحدة داخل التنوع وبتنوع داخل وحدة.
كان للمغرب فلاسفته و شعراؤه وأدباءه ، ومذهبه الديني بفقهائه، وكان له فنانوه وفنه، وعمارته المختلفة الاشكال والألوان والتكوينات التزيينية والفضاءات المعمارية، المختلفة أشد الاختلاف عن عمارة الشرق، لا من حيث الأشكال البنيوية (من البناء) ولا من حيث توزيع الفضاء وتأثيثه. وللمغرب أيضا تصاويره وصباغته التي كانت خاضعة لأوامر الإيديولوجيا الدينية وتشددها فيما يخص منع التصوير التشخيصي، فكان المغرب Iconoclaste أكثر من باقي الأمصار الإسلامية الأخرى. والحقيقة أن الوازع الديني لم يكن وحده الدافع إلى تغييب التصوير التشخيصي، بل كان لجمالية الفنون الأمازيغية حظها الأوفر في ذلك.
عكس
ما شهدته قصور الامراء والملوك في الشرق الاسلامي من تصاوير تشخيصية تزين جدران
الغرف والحمامات والفضاءات الخاصة، قام بتنفيذها فنانون من اصول غير عربية، كانوا
يقيمون تحت راية الدولة الحاكمة او يتم استدعاؤهم من طرف الخليفة وحاشيته كلما دعت
الضرورة الى ذلك، لم تعرف قصور ملوك المغرب هذا النوع من الفن. وكما غاب التصوير
التشخيصي (الجداريات الداخلية والمنمنمات...) في الاوساط المغربية، غاب كذلك النحت
والتجسيد ذي الثلاثة ابعاد. إن المغرب، عكس دول الشرق
العربي لا يتوفر على تراث فني تصويري Figuratif،
كبلاد الشام والعراق التي تزخر بالمنحوتات الأشورية والبابلية، والجداريات الناتئة
الغنية بالأشكال البشرية والحيوانية، ومصر بتراثها التصويري الفرعوني الرائع.
وهذا
الاختلاف في المرجعيات التراثية كان له الأثر الأكبر على تجليات الحداثة الفنية
العربية. فتنوع المرجعيات خلق حداثات، لا يتقاسم روادها نفس الرؤى ونفس
الاهتمامات. يقول محمد شبعة:" إن هناك فرقا بين التجربة المغربية والتجارب
الموجودة في مختلف أرجاء الوطن العربي التي لم يكن مطروحا فيها مشكل الثقافة
الوطنية بنفس الطرح الذي تم به أيام معاناتنا مع الاستعمار والغزو الفكري
الاستعماري...الشيء الذي جعلنا أكثر استيلابا بالغرب المباشر...مثلا التجربة
العراقية تأخذ أصالتها من التراث الآشوري، وهناك عدة اتجاهات فيها، مما يجعلها
تبتعد عن وجه من الاستلاب". (الثقافة الجديدة)
وفي نفس السياق، يضيف محمد المليحي: "التجربة
المغربية لا تنتمي لا للوضع العراقي ولا للوضع المصري. فهي تجربة خاصة بدأت
انطلاقا من الثقافة الأصلية المغربية التي نحن نرثها بالغريزة."(الثقافة الجديدة)،
إنها تبتعد حتى عما يجري داخل المشهد التشكيلي المغاربي، رغم ما يمكن استحضاره من
عناصر الوحدة على مستوى المخزون التراثي والمصاير التاريخية. "إن هذه التجربة
أو الحركة التي وقعت في المغرب أنجته من السقوط في نوع من التشكيل مثل الذي يمكن
ملاحظته في بعض الدول العربية التي مرت بنفس التاريخ، مثل الجزائر أو
تونس"(المليحي، الثقافة الجديدة)
ففي تونس مثلا تشكل "مدرسة
تونس" مرحلة انتقالية بين التصوير الكولونيالي والتصوير التجريدي الذي كان في
بدايته جد متأثرا بالتيارات الأوروبية، فعمل الفنانون المحليون على "تونسة" اللوحة، حسب تعبير الفنان شفيق غربال، بصب التكوينات التشكيلية في قوالب تراثية تعكس
بعض ملامح الفنون الإسلامية، منها الخط العربي والعربسة...
2-
إن ما خلده التصوير الاستشراقي la peinture orientaliste من مواضيع ومشاهد كانت تعكس صور الفضاءات
الداخلية الشرقية أكثر مما تعكس عمق الفضاءات المغربية، وما صوره بعض من زاروا
المغرب مثل أوجين دولاكروا (1789-1863) وغيره من فناني القرن التاسع عشر، هي
فضاءات تنتمي لعائلات غير مسلمة، يهودية او مسيحية. فالتقاليد المغربية العريقة
والمحافظة لا تسمح للأجنبي، غير المحرم، ان يختلط بالإناث، فكيف بالأحرى ان تسمح لأجنبي
(نصراني) ان يحضر ويرسم حفلات الاعراس والزواج وغيرها، انظر لوحات دولاكروا:
Les femmes d'Alger و Noce juive كمثال.
إن ما ألف من كتب وتصانيف، رغم نقائصها، تشكل اليوم مرجعيات تاريخية لا يستهان بقيمتها الأدبية، لكن ما يؤسف له ان الكتاب المحدثين الذين يحاولون الكشف عن الروابط التاريخية و الجمالية التي تنسج خيوطها بين القديم والحديث، بين ما انتجه الصانع التقليدي عبر آلاف السنين وما ينجزه فنان القرن العشرين، عهد الحداثة الفنية، لم يبينوا بالنقد والتحليل والمنهجية العلمية الكيفيات التي تتحقق بها تلك الروابط، بمعنى اخر أننا لا نجد تحليلا جماليا للأشياء التراثية، يظهر الكاتب من خلاله الكيفية التي تحقق بها الاقتباس والتأثر والتلاقي والتلاقح. فالكاتب لا ينفذ الى عمق " العالم المستقل" الخاص بالأثر التراثي، بل يكتفي بوصف السطوح وقراءة ما هو مكشوف، ما يمكن ان يقرأه كل باحث غير متخصص في الجمالية والفنون التشكيلية، أو حتى الإنسان العادي الذي لا يتوفر على ثقافة فنية، فيكتفي بوصف الاشكال بأنها دائرية او مربعة او مستطيلة والالوان انها حارة واخرى باردة، والفضاء التشكيلي انه كلاسيكي واقعي تشخيصي تعبيري، فتتوالى الألفاظ اللامعة وتتواتر المصطلحات غير الدقيقة، تأخذ القارئ إلى متاهة ملؤها الغموض واللبس وصعوبة إدراك المعنى. ومن تم "تكتسب بعض المصطلحات والمفاهيم وجودا ملتبسا داخل نسيج الكتابات والحوار فتنقلب من أدوات مسعفة على الفهم والتوضيح، إلى عناصر تشيع الخلط والتشويش، وتطبع ما وراء اللغات (ومنها النقد) بالفضفضة والتقريبية والتعميم". (محمد برادة، مجلة فصول)
إن ما ألف من كتب وتصانيف، رغم نقائصها، تشكل اليوم مرجعيات تاريخية لا يستهان بقيمتها الأدبية، لكن ما يؤسف له ان الكتاب المحدثين الذين يحاولون الكشف عن الروابط التاريخية و الجمالية التي تنسج خيوطها بين القديم والحديث، بين ما انتجه الصانع التقليدي عبر آلاف السنين وما ينجزه فنان القرن العشرين، عهد الحداثة الفنية، لم يبينوا بالنقد والتحليل والمنهجية العلمية الكيفيات التي تتحقق بها تلك الروابط، بمعنى اخر أننا لا نجد تحليلا جماليا للأشياء التراثية، يظهر الكاتب من خلاله الكيفية التي تحقق بها الاقتباس والتأثر والتلاقي والتلاقح. فالكاتب لا ينفذ الى عمق " العالم المستقل" الخاص بالأثر التراثي، بل يكتفي بوصف السطوح وقراءة ما هو مكشوف، ما يمكن ان يقرأه كل باحث غير متخصص في الجمالية والفنون التشكيلية، أو حتى الإنسان العادي الذي لا يتوفر على ثقافة فنية، فيكتفي بوصف الاشكال بأنها دائرية او مربعة او مستطيلة والالوان انها حارة واخرى باردة، والفضاء التشكيلي انه كلاسيكي واقعي تشخيصي تعبيري، فتتوالى الألفاظ اللامعة وتتواتر المصطلحات غير الدقيقة، تأخذ القارئ إلى متاهة ملؤها الغموض واللبس وصعوبة إدراك المعنى. ومن تم "تكتسب بعض المصطلحات والمفاهيم وجودا ملتبسا داخل نسيج الكتابات والحوار فتنقلب من أدوات مسعفة على الفهم والتوضيح، إلى عناصر تشيع الخلط والتشويش، وتطبع ما وراء اللغات (ومنها النقد) بالفضفضة والتقريبية والتعميم". (محمد برادة، مجلة فصول)
3-
ما علاقة كل تلك الاشياء التقليدية، ذات الصيغة النفعية بالفن الحديث
الذي ظهر مستنسخا اللوحة الأوروبية مع بداية ستينيات القرن الماضي؟ أقصد حقبة
الستينات لأنها هي التي اعتبرت مرحلة "التجديد الحداثي" في الفن
التشكيلي بالمغرب خاصة والعالم العربي عامة.
تحاول الكاتبة الإيطالية طوني ماريني* ربط هذا الفن بالفنون التي باتت مختفية لقرون عديدة لتبرز ملامح جماليتها فجأة مع منتصف القرن العشرين عبر تجربة احمد الشرقاوي الذي "ربط أعماله الفنية بأناه الداخلية". ويعد أحمد الشرقاوي أحد أقطاب الريادة الأوائل في التصوير الحديث بالمغرب، الذين عملوا على وضع اللبنات الأولى لمرحلة التجديد الحداثي الذي عرفته التجربة التشكيلية المغربية مع بداية الستينات، حيث قطعت كليا مع الرؤية الاستشراقية، والسياسة الثقافية اللتين كان ينهجهما المستعمر الفرنسي منذ عهد الحماية واستمر نهجهما حتى فترة متأخرة من سنوات الاستقلال الأولى. فتكون لدى الشرقاوي منذ بدايته وعي بالذات والتراث فعمل على بناء شخصيته الفنية معتمدا على تكوينه الفني الذي تلقاه بالخارج وعلى احتكاكه بتجارب فناني الحداثة الأوروبية أمثال بول كلي وفناني مدرسة باريس الفرنسية. يقول الشرقاوي متأثرا وهو يتأمل لوحات روجي بيسيير (1886-1964) أحد أعمدة هذه المدرسة: "لما رأيته أول مرة كنت جد متأثر حتى أني بكيت. لقد شعرت بصدمة غريبة إزاء أعماله، كنت أرى أمامي الجمال مجسدا".
أي جمال هذا الذي يراه الشرقاوي مجسدا أمامه؟ هو طبعا لا يقصد الجمال بمفهومه الأفلاطوني أو الجمال الهيغلي المثالي، الذي اتخذته الفنون الكلاسيكية مبتغاها الأساس، وكان إتقان وحذق ومهارة تمثله وتشكله من المعايير الرئيسية المعتمدة لتقييم الأعمال الأكاديمية. إنه جمال آخر ذلك الذي أحس به الشرقاوي أثناء لحظة التأمل، جمال ينبثق من "عالم الفن المستقل" كما أسماه المؤرخ الجمالي ألكسندر ببادوبولو Papadopoulo Alexandre حين دراسته للفن الإسلامي.
شكلت بحوث احمد الشرقاوي أولا، لحظة تزاوج وتلاقح زمانية/مكانية بين الوافد والموروث، بين إبداع الفنان الحداثي والحرفي المحلي، ثم تلتها البحوث التنظيرية التي قام بها افراد مجموعة 65، المكونة أساسا من الفنانين فريد بلكاهية ومحمد المليحي ومحمد شبعة بعد ذلك، والذين كانت طوني ماريني رفيقة دربهم.
ما زلنا نتساءل اذا كانت الممارسات الفنية الحديثة بالمغرب تأخذ اصولها من التراث ومن الفنون التقليدية الشعبية؟ فباستثناء تجربة احمد الشرقاوي وفريد بلكاهية، شخصيا لا ارى تلك الجذور عند أحد من الفنانين الذين شكلوا جيل ما بعد جماعة 65، وما نراه إلى اليوم هو محاولات ل"مغربة" اللوحة بتوظيف أشكال وخطوط ورموز في تكوينات تشكيلية جميلة، تثير النظر دون أن تستدعي الفكر. إن الفنان المغربي ألزم الرموز التراثية أن تغادر قسرا سياقاتها الانطولوجية والميتافزيقية ليوظفها كمضامين شكلانية في لوحاته. فهل يتجدد الفن بالمضامين وحدها؟ وهل يتطور بالأشكال والتكوينات الجميلة المثيرة للعين، دون أن تكون نافدة للعمق؟
تحاول الكاتبة الإيطالية طوني ماريني* ربط هذا الفن بالفنون التي باتت مختفية لقرون عديدة لتبرز ملامح جماليتها فجأة مع منتصف القرن العشرين عبر تجربة احمد الشرقاوي الذي "ربط أعماله الفنية بأناه الداخلية". ويعد أحمد الشرقاوي أحد أقطاب الريادة الأوائل في التصوير الحديث بالمغرب، الذين عملوا على وضع اللبنات الأولى لمرحلة التجديد الحداثي الذي عرفته التجربة التشكيلية المغربية مع بداية الستينات، حيث قطعت كليا مع الرؤية الاستشراقية، والسياسة الثقافية اللتين كان ينهجهما المستعمر الفرنسي منذ عهد الحماية واستمر نهجهما حتى فترة متأخرة من سنوات الاستقلال الأولى. فتكون لدى الشرقاوي منذ بدايته وعي بالذات والتراث فعمل على بناء شخصيته الفنية معتمدا على تكوينه الفني الذي تلقاه بالخارج وعلى احتكاكه بتجارب فناني الحداثة الأوروبية أمثال بول كلي وفناني مدرسة باريس الفرنسية. يقول الشرقاوي متأثرا وهو يتأمل لوحات روجي بيسيير (1886-1964) أحد أعمدة هذه المدرسة: "لما رأيته أول مرة كنت جد متأثر حتى أني بكيت. لقد شعرت بصدمة غريبة إزاء أعماله، كنت أرى أمامي الجمال مجسدا".
أي جمال هذا الذي يراه الشرقاوي مجسدا أمامه؟ هو طبعا لا يقصد الجمال بمفهومه الأفلاطوني أو الجمال الهيغلي المثالي، الذي اتخذته الفنون الكلاسيكية مبتغاها الأساس، وكان إتقان وحذق ومهارة تمثله وتشكله من المعايير الرئيسية المعتمدة لتقييم الأعمال الأكاديمية. إنه جمال آخر ذلك الذي أحس به الشرقاوي أثناء لحظة التأمل، جمال ينبثق من "عالم الفن المستقل" كما أسماه المؤرخ الجمالي ألكسندر ببادوبولو Papadopoulo Alexandre حين دراسته للفن الإسلامي.
شكلت بحوث احمد الشرقاوي أولا، لحظة تزاوج وتلاقح زمانية/مكانية بين الوافد والموروث، بين إبداع الفنان الحداثي والحرفي المحلي، ثم تلتها البحوث التنظيرية التي قام بها افراد مجموعة 65، المكونة أساسا من الفنانين فريد بلكاهية ومحمد المليحي ومحمد شبعة بعد ذلك، والذين كانت طوني ماريني رفيقة دربهم.
ما زلنا نتساءل اذا كانت الممارسات الفنية الحديثة بالمغرب تأخذ اصولها من التراث ومن الفنون التقليدية الشعبية؟ فباستثناء تجربة احمد الشرقاوي وفريد بلكاهية، شخصيا لا ارى تلك الجذور عند أحد من الفنانين الذين شكلوا جيل ما بعد جماعة 65، وما نراه إلى اليوم هو محاولات ل"مغربة" اللوحة بتوظيف أشكال وخطوط ورموز في تكوينات تشكيلية جميلة، تثير النظر دون أن تستدعي الفكر. إن الفنان المغربي ألزم الرموز التراثية أن تغادر قسرا سياقاتها الانطولوجية والميتافزيقية ليوظفها كمضامين شكلانية في لوحاته. فهل يتجدد الفن بالمضامين وحدها؟ وهل يتطور بالأشكال والتكوينات الجميلة المثيرة للعين، دون أن تكون نافدة للعمق؟
تم توظيف الخط العربي كعنصر مساهم في تشكيل اللوحة بهتك انساقه الخاصة وروحانيته ودمجه في وسط مادي دنسه ورفع عنه قدسيته. ان التراث الفني طرف من التراث الفكري العربي العام الذي شهد له الجابري في كتاباته بعدمية الاحاطة به ودراسته دراسة معمقة وعميقة. وإن ارتباط التراث الفني القديم بالتشكيل الحديث، واستغلال ما يوفره من مخزون بصري هائل توقف مع تجربة مجموعة 65، ومن جاء بعدهم لا يعير للتراث اهمية ولا اعتبارا. فاين التراث في اعمال التجريديين الذين شكلوا جيل ما بعد الستينات من القرن الماضي؟ شخصيا لا اراه...وحتى رواد حركة 65 ألفوا أنفسهم في آخر المطاف، يطوفون داخل دائرة مغلقة، يكررون نفس الأشكال ونفس الألوان ونفس التعرجات، وقد تنبأ بذلك محمد شبعة بقوله:" كنا قد بقينا حبيسي نوع من الأكاديمية الخاصة بنا، حبيسي نوع من الدوران في عملنا الخاص، الذي لا يتقدم بالسرعة المطلوبة...وبإمكاننا أن نبقى-بسبب هذا الجمود وعدم الديناميكية-نحن أنفسنا". (الثقافة الجديدة)
كثيرا ما نظر محمد شبعة
للتراث ودافع عنه في كتاباته ومداخلاته، لكن اعماله تجريدية محض لا أثر للتراث
بها. فالحداثة التي حاولت هذه المجموعة التأسيس يصدق عليها قول الفيلسوف هابرماس، اذ
انها زاغت عن مسارها، لأسباب لا يسع المقام للتفصيل فيها.
4-
4-
اخطأت طوني ماريني حينما قارنت مسيرة المغرب الفنية بمسار الغرب الفني
معتمدة نظرية فيلسوف الجمال رودولف أرنهايم الالماني الذي يرى ان الفن الحديث
الاوروبي كان تتويجا للتحولات العامة التي عرفتها اوروبا منذ عصر النهضة واستمرت
الى منتصف القرن 19.
الامر مختلف تماما كما بين ذلك الجابري في كتابه "تكوين العقل العربي". لا مجال لمقارنة الثقافة الاوروبية التي قطعت مسارها التاريخي دون اهتزازات ولا انقلابات ولا ازدواجية الانا والهو، عكس الثقافة العربية التي عرفت مسارا تاريخيا متقطعا، مأساويا، مازال يجر نتائجه الى اليوم. فتاريخ الفكر العربي يعيش على ازدواجية التدوين التأريخي: التأرجح بين التاريخ الهجري والتاريخ الميلادي. مما يكشف عن "حلقة مفقودة" في تاريخ الامة العربية. حلقة امتدت على مدى ستة قرون. فما مصير انسان فاقد لستة قرون من تاريخه ومن وعيه؟ هل عاش الانسان الغربي نفس المأساة الوجودية؟ هل ينبني الفكر الغربي على ازدواجية الانا والهو؟ يجب الاقرار ان الثقافة الاوروبية التقت بهويات عديدة ومختلفة على مدى مسارها التاريخي، لكنها عرفت كيف تدمجها وتندمج معها وتهضمها. اما الثقافة العربية فلم تصل الى نتيجة الدمج/ الاندماج والهضم لأنها كانت تتعامل مع الآخر وثقافته بريبة وشكوك. كانت ترى فيها الوافد قسرا والمستعمر العنيف. فكانت النهضة العربية رد فعل قوي ضد ذلك الاحساس والواقع المعاش.
عرف الفكر الغربي والثقافة الاوروبية تدرجا تاريخيا منطقيا: العصر الوسيط ثم النهضة ثم الانوار ثم الحداثة، اما الفكر والثقافة العربيين فكانت حقبهما التاريخية متزامنة: الحداثة هي التنوير والنهضة في نفس الوقت. الحداثة التي استقت شرعيتها من الماضي والتراث، عكس الحداثة الاوروبية التي قطعت مع ماضيها الوسطوي والنهضوي.
الامر مختلف تماما كما بين ذلك الجابري في كتابه "تكوين العقل العربي". لا مجال لمقارنة الثقافة الاوروبية التي قطعت مسارها التاريخي دون اهتزازات ولا انقلابات ولا ازدواجية الانا والهو، عكس الثقافة العربية التي عرفت مسارا تاريخيا متقطعا، مأساويا، مازال يجر نتائجه الى اليوم. فتاريخ الفكر العربي يعيش على ازدواجية التدوين التأريخي: التأرجح بين التاريخ الهجري والتاريخ الميلادي. مما يكشف عن "حلقة مفقودة" في تاريخ الامة العربية. حلقة امتدت على مدى ستة قرون. فما مصير انسان فاقد لستة قرون من تاريخه ومن وعيه؟ هل عاش الانسان الغربي نفس المأساة الوجودية؟ هل ينبني الفكر الغربي على ازدواجية الانا والهو؟ يجب الاقرار ان الثقافة الاوروبية التقت بهويات عديدة ومختلفة على مدى مسارها التاريخي، لكنها عرفت كيف تدمجها وتندمج معها وتهضمها. اما الثقافة العربية فلم تصل الى نتيجة الدمج/ الاندماج والهضم لأنها كانت تتعامل مع الآخر وثقافته بريبة وشكوك. كانت ترى فيها الوافد قسرا والمستعمر العنيف. فكانت النهضة العربية رد فعل قوي ضد ذلك الاحساس والواقع المعاش.
عرف الفكر الغربي والثقافة الاوروبية تدرجا تاريخيا منطقيا: العصر الوسيط ثم النهضة ثم الانوار ثم الحداثة، اما الفكر والثقافة العربيين فكانت حقبهما التاريخية متزامنة: الحداثة هي التنوير والنهضة في نفس الوقت. الحداثة التي استقت شرعيتها من الماضي والتراث، عكس الحداثة الاوروبية التي قطعت مع ماضيها الوسطوي والنهضوي.
5-
يستعمل من يكتبون عن الفن بالمغرب مفاهيم مثل مفهوم الخرائطية الذي نجد الاشارة اليه في كتاب Ecrits sur l'art للكاتبة طوني ماريني، فهي تتحدث عن الخرائطية cartographie والطوبوغرافية واعماق الارض souterrain حينما تربط الفن بجذوره الأصلية وتربته، وان الفنون تبقى تعيش متخفية في اعماق اللاوعي الجماعي حتى تتوفر لها فرص البروز affleurement حسب المفهوم الجيولوجي او طفرات حسب Fiedler او éveilحسب Ghiberti (طوني ماريني).وما استعمال مثل هذه المفاهيم الجغرافية إلا تكريسا لفكرة التشتت والجزر المستقلة عن بعضها، لكل منها حداثتها.
* طوني مريني: من مواليد طوكيو، باليابان عام 1941، ناقدة ومؤرخة الفن، لعبت دورا كبيرا في التعريف بالفنانين التشكيليين المغاربة..
يستعمل من يكتبون عن الفن بالمغرب مفاهيم مثل مفهوم الخرائطية الذي نجد الاشارة اليه في كتاب Ecrits sur l'art للكاتبة طوني ماريني، فهي تتحدث عن الخرائطية cartographie والطوبوغرافية واعماق الارض souterrain حينما تربط الفن بجذوره الأصلية وتربته، وان الفنون تبقى تعيش متخفية في اعماق اللاوعي الجماعي حتى تتوفر لها فرص البروز affleurement حسب المفهوم الجيولوجي او طفرات حسب Fiedler او éveilحسب Ghiberti (طوني ماريني).وما استعمال مثل هذه المفاهيم الجغرافية إلا تكريسا لفكرة التشتت والجزر المستقلة عن بعضها، لكل منها حداثتها.
* طوني مريني: من مواليد طوكيو، باليابان عام 1941، ناقدة ومؤرخة الفن، لعبت دورا كبيرا في التعريف بالفنانين التشكيليين المغاربة..

Commentaires
Enregistrer un commentaire