جمعية بين راهنية الفن والتربية
ماذا يعني خلق جمعية وطنية تجمع بين مساءلة المشهد التشكيلي وتقصي حقائق الميدان
التربوي؟ إنه لتحد كبير اتجاه وضعيات مجتمعية صعبة، يصفها البعض
بالمأساوية... وضعيات متأزمة
تجعل بعض الفاعلين، من فنانين
ونقاد ومتتبعين ومتذوقين يتوقون إلى فتح منافذ
لاستجلاء مكامن الضعف
والهزال اللذان يسمانها.
بينما آخرون يرون
عكس ذلك، إذ
أن تزايد أعداد
الممارسين والأنشطة الفنية
التي أصبحت تغطي
الجغرافيا والتاريخ، في
شكل مهرجانات ولقاءات
وندوات وموائد مستديرة
تتناول الفن وإشكالياته الراهنة، تزيح الستار عن
تجلياته وترسي مآلاته،
قلت إن هذه
الحالة يراها بعضهم
صحية تبشر بالخير،
وإن صاحبتها حالة
التأزم فأمرها للتاريخ.
إن
خلق جمعية فنية
تربوية في الزمن
الراهن لهو تحد
كبير يستوجب استحضار
إمكانات كبيرة، بشرية ومادية،
للقبض على الرهانات
وتجاوزها. تحد في
الوقت الذي تخلخلت
علاقة المتلقي بالعمل
الفني ولم تعد
علاقة ينسج خيوطها
الجمال كما في
الماضي، علاقة تجعلنا
نعيش على التأمل والاستمتاع.
بل أصبحت «علاقة
في جوهرها موقفية
وتفاعلية"،
تختبر مدى قدرتنا
على التعبير والتأويل
والتفكيك، أي على
التلقي المرتبط بمؤهلاتنا الذهنية
والفكرية حتى نتمكن
من الإحاطة بالمفاهيم التي
تؤطر العمل الفني، وبالتالي تجاوز الأمية الأيقونية
التي يعاني منها الفرد والمجتمع.
"تواصل الابداع
في الفن التشكيلي
المعاصر" هو شعار
المعرض المنظم من
طرف الجمعية الوطنية
لأساتذة الفنون التشكيلية. والحقيقة أننا لا نجد بدا من
الاعتراف بأن المعاصرة هي الدلالة الأقرب "لتعيين الراهنية التي يتميز بها
عالمنا اليوم"، عالم الصورة ذات التمثيلات والتمثلات
التي شكلت قطيعة رحيمية مع نظرية النموذج وأصله كما حدد
فلسفتها والتر بنيامين. عالم متغير غير تابت، افتراضي غير واقعي، أثيري غير محسوس.
رهان قطعته الجمعية على
نفسها في زمن لم
يعد فيه الفن
يهتم بأي تعبير دافعيته الجمال. وإن حضر الجمال فيمكن اعتبار
حضوره ظرفيا. اتخذت الأهداف لنفسها مجريات أخرى نختزل معانيها ومفاهيمها في الاستهلاك
والمركانتيل والموضة والإعلام الإشهاري.
على الأساتذة الفنانين
المبدعين إعادة تشكيل ذائقة
المتلقي لتتاح لها فرصة تجاوز
طرائق تحصيل المعارف والاستجابات الذوقية والجمالية، وتقويض
ما ترسخ في
ذهنه، أي المتلقي،
من أفكار متخشبة
تولدت عن مواقف
سلبية اتجاه الفن
والجمالية، كل هذا من أجل إرساء دعائم فكرية ومفاهيمية
جديدة تنسجم ومعطيات العالم المعاصر. إن
المتلقي أصبح اليوم، أكثر من
الأمس، في حاجة إلى مؤهلات
تمكنه من "فهم تحولات الفن وفكره الجمالي في
صورته المعاصرة"، والاستعداد النفسي/التشاركي لاستقبال
مدلولات الأعمال الفنية
الموسومة باللاجمال واللاذوق. إنه
السعي وراء اختزال
المسارات التي تصل
العمل الفني بالمتلقي
مع توفير ظروف
مادية ونفسية وثقافية
لاستثارة هذا المتحاور،
المطلوب منه التفاعل
واتخاذ مواقف جادة
وإجرائية، حتى يصبح قادرا على اقتراح أسئلة تحوم حول
الممارسة الفنية وفلسفتها الجمالية في علاقتها مع التكنولوجيات الجديدة
وتعقيداتها.
إنه
لموقف صعب ومسؤولية
كبيرة تلك التي
تجعلك تتخذ مواقف
من حقيقة باتت
كامنة وراء الأشياء
المرئية وأنت كمتلقي
مطلوب منك أن
تتسلح بثقافة تشكيلية
وجمالية تجعلك واعيا
بمسؤولياتك... وأنت طرف في لعبة يضمضم العالم المعاصر أوراقها...عالم مربك/مرتبك،
من سماته البينة، الحيرة والاضطراب والتعقيد والصخب والضوضاء واللبس والصدام،
لدرجة أن "كل شيء فيه صار يتأسس على القطيعة والاختلاف وعدم الألفة".
كيف
سيتسنى اتخاذ مواقف
إيجابية في وقت
انهارت فيه القيم
الجمالية وأضحت الممارسة
الفنية تعتمد المغامرة
والجرأة واللعب والتلاعب
أحيانا، وبناء العمل
الفني على الفكرة
دون اللحاق بتجسيدها.
أظن أن الهدف
لن يتحقق دون
استحضار عنصري التربية
بالفن والفن بالتربية.
إن تحقيق "تواصل الإبداع
في الفن التشكيلي المغربي المعاصر" رهان صعب والظروف التي يعيشها المشهد
الفني ببلادنا، على مستوى الإبداع بشقيه، الممارساتي/التنظيري وكذا التعليمي.
والجمعية الوطنية لأساتذة الفنون التشكيلية بهيكلتها قادرة على مواجهة مثل هذه
التحديات التي تتطلب العمل والتنسيق على مستويين: المستوى الإبداعي والمستوى
التعىليمي/البيداغوجي.
فعلى المستوى الأول، ومن
خلال قراءة أهداف الجمعية سيتم التركيز على "تشجيع كل عمل فني يهدف إلى الرقي
بالفن التشكيلي بالمغرب، والمساهمة في تحسين جمالية المدينة" و"خلق
وتسيير فضاءات ومرافق فنية".
بينما المستوى الثاني، سيشهد
العمل على "تطوير ديداكتيك التربية التشكيلية وتنمية البحث العلمي والتربوي
والفني مع تعزيز التواصل مع الجمعيات والمؤسسات ذات الاهتمام المشترك"
و"المشاركة في الرفع من مستوى تدريس المواد الفنية التشكيلية وتطوير مناهجها
وطرقها البيداغوجية ووسائلها التعليمية التعلمية..." لا يخفى أن هذا الجانب
الثاني من غايات الجمعية هو ما يتطلب مزيدا من الاهتمام إذ به ستتحقق أهداف الجانب
الأول. فلا أحد يجادل في كون التربية بالفن والفن بالتربية عنصران غائبان تماما عن
مناهجنا التعليمية، والثقة كلها مسندة إلى الجمعية الوطنية لأساتذة الفنون
التشكيلية، بأطرها وكفاءاتها كي يتجاوز ذاك الغياب فتصبح اليوتوبيا حقيقة ملموسة
وعينية.
كل الثقافات تؤمن بأن الفنون
جزء لا يتجزأ من حياة الأفراد والجماعات، حيث الوظيفة والإبداع والتعلم جميعها
مرتبطة. فالفنون قاطرة للتربية الجمالية والتربية لن تكون صحيحة كاملة، شاملة إلا
إذا ضمت لمنظوماتها مقاربات جمالية وممارسات فنية. تقديم الفنون والممارسات
الثقافية في البيئات التعليمية هو أحد الاصول الحقيقية، لتحقيق التوازن الفكري
والعاطفي والنفسي لدى أفراد المجتمع. هذا النوع من التعليم لا يعزز فقط التنمية
المعرفية واكتساب المعرفة حول الحياة، والتفكير في الابتكار والابداع أو التفكير
النقدي ومهارات الاتصال والتعامل مع الاخرين، ولكن يساعد على توفر القدرة على
التكيف الاجتماعي والوعي الثقافي. إنها التربية التي تتيح بناء الهوية الشخصية
والجماعية. فأهمية التربية الفنية في نمو الفرد تتجلى أساسا في إعطاء مفاتيح
الوصول إلى المعرفة. فالفن مانح للتغيير والتطور. يمكن اعتبار الفن والتربية
متكاملين شرط اعتبار أن الفن يخدم أهدافا تربوية لصالح التعلم. "إن الفن
لا يقتصر على مجرد
التعبير عن الواقع
بل يمتد لتطوير
ذلك الواقع".
محمد خصيف
زرهون، فبراير 2017


Commentaires
Enregistrer un commentaire