سوق الفن المعطوبة الفن التشكيلي: الإبداع، الإنتاج، السوق
يشكل العمل الفني بجميع أشكاله ومستوياته أحد
العناصر الأساسية المكونة للاقتصاد، بجوانب دوره الفعال في الثقافة والتربية. فهو
مصدر عيش بالنسبة للعديد من الأشخاص، سواء منهم الذين يشتغلون بالإبداع (فنانين
تشكيليين، مسرحيين، موسيقيين) أو أولئك الذين لهم صلة بالجوانب التقنية المساعدة
على تنفيذ العملية الإبداعية -صانعي الإطارات، بائعي المواد الأولية وغيرهم-وإبراز
العمل الفني في شكله النهائي الاستعراضي.
وإذا كان العمل الفني يلعب دورا اقتصاديا
كعامل تجاري مربح (أو مفلس)، فهل تتوفر، في المقابل، البنيات لتحتية المساعدة على
ترويجه ورواجه؟ هل هناك وجود لسوق قائمة بذاتها؟ وإلى أي حد يتكافؤ العرض مع
الطلب، وما مدى ملاءمة الأعمال الفنية المعروضة مع الطلب؟
أسئلة تطرح نفسها من بين غيرها من التساؤلات
الملحة والمتعلقة بعلاقة الإبداع التشكيلي بالسوق التجارية.
نتناول هذا الموضوع بشيء من الاقتضاب وبدافع
من الحركة والدينامية التي عرفتهما بلادنا في ميدان الفنون التشكيلية. ونذكر هنا
أننا حينما نتحدث عن الفنون التشكيلية نقصد اللوحة دون غيرها، لأن الحركة التجارية
(العروض والمبيعات والمزادات) كلها تدور حول اللوحة، وحتى العمليات الاحتيالية
التي تؤدي إلى السرقة والنسخ والتزوير تقتصر كلها على اللوحات الفنية، من جهة أخرى
لا يمكننا الحديث عن إبداعات فنية أخرى كالنحت أو الحفر أو السيريغرافيا في علاقتها
بالسوق لأنها شبه عديمة الإقبال.
لقد تمخضت عن هذه الحكة نشاطات واسعة النطاق
على المستوى المؤسساتي، إذ لأول مرة يطرح مشروع قانون تنظيمي خاص بالفنانين
التشكيليين "المحترفين"، تمت مناقشته خلال اليوم الدراسي الذي نظمته
وزارة الثقافة في أواخر الموسم الماضي (يونيو 1991)، زيادة على المقتنيات الكبيرة
العدد للعمال الفنية التي تمت من طرف مؤسسات بنكية وغيرها (مؤسسة أونا، المكتب
الشريف للفوسفاط، بنك الوفاء، وزارة الثقافة...)
ولقد اعتمدنا في تحرير هذا المقال على
تجربتنا الشخصية واعلى استبيانات وزعناها على بعض الفناتين التشكيليين 1
لا يمكننا أن ندعي وجود سوق للفن بالمغرب،
على غرار ما هو موجود فب الغرب. وغياب مثل سوق الفن يشمل جميع الدول العربية ويمتد
إلى جميع دول العالم الثالث.
فتواجد سوق للفن يتطلب توفر بنيات تحتية
أساسية ومتجذرة في ذهنية الفرد والجماعة، مسايرة لركب الحضارة التي ينمو فيها الفن.
فأوروبا قبل أن تعرف سوق المزايدات، مرت بمراحل اقتصادية هامة، على مستوى الفنون،
منها المعارض الكبرى والصالونات والمقتنيات الفردية الواسعة التي لا يكتفي أصحابها
بالمنتوجات المحلية فقط، بل يغامرون في شراء المنتوج الأجنبي، وهذا شيء أساسي
وضروري لتتكون منافسة ثقافية. فعلى سبيل المثال لولا حضور الأقنعة الإفريقية لما
عرفت التكعيبية وجودها على المستوى الفكري والاقتصادي فيما بعد.
إذا حاولنا أن نرصد مختلف فعاليات المجال
التجاري في الفنون التشكيلية، فإن أول ما يثير انتباهنا عد موجود رابطة توحد
الفنانين في شكل هيئة أو نقابة تدافع عن حقوقهم وتسهر على حياتهم الفنية، وعلى
الجوانب القانونية المتعلقة بالإبداع والإنتاج الفنيين، فما نلاحظه هو غياب هيئات
جادة وديمقراطية تتسم بالشفافية والتجرد من الأنا (الليدرشيب)، وتحمل حقيقة هم
الفن والفنانين، وتكون مؤطرة فكريا، تعتمد أرضية ملؤها الوعي والإحساس بالمسؤولية.
فالهيئات التي تغمر الساحة الفنية، من جمعيات ونقابات واتحادات، كلها لم تقطع
أشواطا كبيرة بمشروعها الثقافي/الفني، لأنها ما فتئت تتأرجح بين السبات واليقظة.
ومشارعها جد محدودة الفعالية في الزمان والمكان، وكم من جمعية ونقابة لم نعد نسمع
لها إلا الإسم، ومنها الجمعية المغربية للفنون التشكيلية التي أقبرت أنشطتها مع
إقبار الحداثة التي كانت تنادي بها. فهي "مشروع لم يكتمل"(هابرماس).
بصفة عامة يؤدي غياب البنيات التحتية والنيات
الصافية، الخاصة بالفنون التشكيلية (متاحف وأروقة ومعاهد عليا مفتوحة وشاملة وسوق
للمواد الأولية والخامات الأساسية، متحررة من الرسوم الجمركية) إلى تقليص مستوى
الإنتاج الجاد وإبراز المواهب الواعدة.
وعلى ذكر الأروقة، يجب التأكيد على أن
الرواقين الجادين اللذين لعبا دورا كبيرا في التعريف بالحركة التشكيلية المغربية
هما رواق لاتوليي ورواق نظر، وما جاء بعدهما كان الجانب المركانتلي همه الوحيد
والأساسي. جل هؤلاء المتأخرين تعاملوا مع فنانين عديدين لكنهم لم يعرفوا بهم وبقيت
إنتاجات أولئك الفنانين سجينة الرفوف والمخازن وأسماؤهم تتنقل من مهرجان إلى آخر
ومن جمعية إقليمية إلى أخرى دون أي صدى يذكر، وهذا ما غيب عدد من الأسماء رزت خلال
الثلاثة عقود الأخيرة من القرن الماضي، إضافة إلى أن السعي وراء المال والربح
التجاري ساعد على نشر الرداءة التي نعيشها اليوم وتعميم الأعمال "المشابهة
ل" وخصوصا ما يمكن أن أسميه تهكما "الفطرية الجديدة" Néo Naïf.
لقد أشرنا في البداية إلى الحركة الدائبة
التي تميز بها ميدان الفنون التشكيلية على مستوى الإنتاج، وهذه من الأشياء
الملموسة التي يمكن لأي أحد أن يلاحظها، حيث تزايد عدد الرسامين والمصورين les peintres
وارتفعت أنشطت المعارض بشكل مثير، وهذا لا يعني وجود الجدة والتجديد.
لكن ورغم هذا كله، يبقى النقد غير مرض غير
مسار لزخم الإنتاجات الفنية.
تتفق جميع الكتابات الصحفية – ولا حرج في
التعميم – والتدخلات التي يقوم بها المتتبعون للحركة التشكيلية ببلادنا، وكذلك
الممارسون لها، على غياب حركة نقدية مسايرة للإنتاجات الفنية التشكيلية، مدعومة
بإمكانات الطبع والنشر والتوزيع.
وهنا نتساءل فيما إذا كان غياب حركة نقدية
يدل على غياب الناقد؟
إن جامعاتنا لا تكون نقادا للفن. فليس هناك
شعبة أو مادة لتدريس النقد الفني، وحتى الأدبي يتنافس عليها الطلبة ويتزاحمون على
كراسيها. إن لوسائل الإعلام والنشر والتوزيع دورها في إبراز الناقد واحتضانه
وإيصال آرائه إلى المتلقين، فبدون هذه الإمكانات المادية لن يزدهر النقد ولن تقوم
له قائمة.
لا شك أن في المغرب، كما في غيره من البلدان
العربية كفاءات فنية عالية، وأن الميدان الثقافي والفكري لا يخلو من مبدعي أفكار.
إلا أن بلورة هذه الأفكار وإيصالها إلى الجمهور يبقى أمرا مستعصيا نظرا لعدم توفر
الإمكانيات المادية للتواصل: الكتاب المتخصص والمجلة المتخصصة...
إن الفن رغم ما يرمز إليه من معان سامية وكبم
روحية، لا يحظى بعد بما يستحقه في مجتمعات العالم الثالث.
هذه العوامل والمتطلبات تبقى ضرورية لإرساء
سوق فنية. وأعتقد أننا ما زلنا في بداية الطريق، إلا أن هذا ليس معناه أن التشكيل
المغربي مازال قاصرا، ولكن يلاحظ أن الإطار العام الذي يتموضع فيه الفن في المغرب
يحتاج دائما إلى مزيد من البناء والعمل الجدي الفعال والهادف، حتى تتجدر ممارساته
في الحياة الثقافية والاجتماعية والاقتصادية للأفراد.
ورغم كون ميدان الفنون التشكيلية حظي في
السنوات الأخيرة باهتمام متزايد من بعض القطاعات الاقتصادية، إلا أن ذلك يبقى غير
كاف لازدهاره وتطويره. إن العمل الفني المحلي مطلوب منه أن يخضع لمنافسة خارجية
ليثبت ذاته، وليحقق هذا الهدف عليه أن يكون أهلا للمنافسة وقادرا على تحقيق
التنافس ليجد نفسه في قائمة الأعمال العالمية الخالدة.
إن الفن في الدول المتقدمة يتخذ مكانته داخل
الاقتصاد العالمي حيث يرتبط الإنتاج بالاستهلاك ارتباطا وثيقا. فامتهان الفن حرفة
معترف بها قانونيا مما يجعل قيمة العمل الفني النقدية (من النقود) تخضع بدورها
وتساير عمليتي العرض والطلب متأثرة في ذلك بعوامل اقتصادية ومالية كالعملة الصعبة
وبورصة القيم وسبائك الذهب وثمن البريل من النفط...
وهنا نتساءل: ما قيمة التشكيل المغربي عند
الذين يتحكمون في برصة القيم؟
يظهر أن تطوير السوق الفنية وإغناءها لا يكتفي
فقط بالجوانب الاقتصادية والمالية بل إن للجانب السياسي والإيديولوجي دورا كبيرا
في ذلك. فالسوق التجارية لا تعتمد على الجودة والإتقان في المنتوج كمعيار للنجاح،
ولكنها رهانات غالبا ما تعمد إلى الصدفة والمغامرة. وقليلون أولئك الذين يستثمرون
أمولهم من أجل ربح غير مضمون. فجلهم حينما يقتنون الأعمال الفنية فإما بدافع من
الصداقة التي تربطهم بالفنان أو من أجل العطف عليه ومساعدته على البقاء على قيد
الحياة، لأنه هو ذلك الشخص الذي يجب مساعدته ومد يد المعونة إليه. وهذه تجارب
عشتها شخصيا.
فأصحاب رؤوس الأموال لا يقبلون على الاستثمار
في المشاريع الثقافية ذات المردودية غير المضمونة، ماديا أو معنويا، وهذا في
اعتقادنا سبب مباشر لندرة الذين يهتمون بالفن عموما: تشكيل، مسرح، سينما وموسيقى.
ولكن لا يجب أن ننسى أن للأعمال الفنية قيما مضمونة في الدول المتقدمة كالولايات
المتحدة واليابان وغيرهما، الشيء الذي بدأ يتأكد في المغرب كذلك.
وكنتيجة حتمية، فلن يكون هناك سوق للفن ما
دمنا نفتقر إلى منافسة المنتوج الخارجي، وسيكون للعملية فعالية ومد كبير حينما
يستطيع منتوجنا الفني الوطني أن يفرض نفسه داخل السوق الخارجي، ومادامت الدور
الخبيرة بمسائل الفنون غير موجودة بالمغرب، وما يوجد منها بالخارج لا يعير أي
اهتمام لما ننتجه، فإننا لن نسعد بالسوق التي بتنا نحلم بها.
إن الفن لا يتمتع بحريته الكاملة، وبالتالي
فإن كل الذين يوجدون في هذا المجال يعيشون نفس الوضعية المتردية، من فنانين وتقنيي
الفن ومتخصصين وأصحاب الأروقة، بعضهم وصل إلى درجة الإفلاس والتوقف عن امتهان
مهنته وإغلاق رواقه. أغلق رواق لاتوليي بالرباط وتحول إلى مقهى، رواق نظر يحتضر،
أغلق رواق بصمات يالدار البيضاء ولم نعد نسمع بأروقة كانت بالمس تتمتع بنشاط حيوي
مازالت آثارها محفوظة بين دفتي الكتالوجات التي أصدرتها: أذكر أروقة ألف باء
والشرفي وفلاندريا بطنجة وأصيل بمكناس وعدد منها كثير، إلا أنه تجب الإشارة أن بعض
الأروقة غيرت مسارها الأولي وأصبحت لها نشاطات أخرى غير المعارض الفنية المتواترة.
خلال تسعينيات القرن الماضي كثر أصحاب
المضاربات وبالتالي ظهر نوع من السماسرة يتدخلون بين الفنان والشخص الذي ينوي
اقتناء العمل الفني، ولعب هؤلاء السماسرة دورا كبيرا جدا في عامل الرداءة الذي تحدثت
عنه، إذ أنهم كانت لهم اليد الطولى في ترويج النسخ المزورة لأعمال عدد من الفنانين
خصوصا الذين انتقلوا إلى دار البقاء، ومن تم أصبحنا نجد نسخا بأثمان بخسة لكل من القاسمي
وميلود والغرباوي (أشير أنني حضرت على معرض لأعمال الغرباوي مرسومة على أوراق
بيضاء كانسون من حجم Raisin،
بإحدى الحوانيت بالرباط)، إضافة إلى فنانين فطريين منهم صلادي والشعيبية وفاطمة حسن
وغيرهم، ولم يستثن الأحياء كذلك من النسخ والتزوير منهم ربيع والمليحي والملاخ
وآخرون.
كما نشط سماسرة الفن بدءا من أواسط
الثمانينات، ظهر كذلك مقتنون من الدرجة الثانية يسعون وراء أولئك ويشترون أعمالا
بأثمنة هابطة جدا، معتمدين على الكثرة والعدد، فأصبح فنانون كانت أسماؤهم ستأخذ
طريقها نحن الشهرة مساهمون في اللعبة، إنتاج العمل الرخيص وتزوير إنتاجات الآخرين
والاعتماد على السماسرة في المبيعات. شخصيا كنت أعرف "فنانين" ينتجون يوميا
أكثر من 20 رسما ويبيعونها ب 20 درهما. وأعرف مقتنين تعدت مجموعتهم 5000 عمل،
مختلفي الأحجام والخامات والاتجاهات.
هذه حقائق يجب كشفها حتى نعلم بعض أسباب
الأزمة التي يعيشها الفن والفنان في بلادنا.
إن العملية ليست صحية أبدا.
تجد الفنان يعطي لأعماله ثمنا داخل قاعة
العرض وبعد ذلك تجد نفس العمل في محل لآخر بيع بربع ثمنه الأصلي، وفي المقابل
يزورك صاحب رواق أو صاحب مجموعات في معرضك ويبدأ في مساومتك لتتنازل له عن أثمنتك
إلى النصف وحتى الربع فيعدك أنه سيشتري نصف المعرض أو المعرض كله. هذا واقع عشناه
مع الأسف.
إن أروقة العرض تلتزم الصمت باستمرار لدرجة
أن بعض المؤسسات العمومية وشبه العمومية تتصل مباشرة بالفنان وتعقد معه صفقات دون
أن تترك للرواق فرصة التدخل. فإذا أشرنا في البداية إلى ضرورة توحيد كلمة الفنانين
ولم شملهم تحت لواء واحد على شكل هيئة قانونية -جمعية أو نقابة – فإن نفس الضرورة
تلح على أصحاب الأروقة. شخصيا أحبذ أن تكون هناك هيئة واحدة وليست هيآت ونقابات
وجمعيات تتصارع فيما بينها في التاريخ والجغرافيا. فما معنى أن تكون للفنانين
التشكيليين أربع نقابات، غير فاعلة، وعدد الفنانين بالمغرب لا يتجاوز 5000 أو 6000
فردا، في الوقت الذي نجد أربع نقابات عمالية تمثل أغلبية المهنيين المغاربة بشتى
مشاربهم، موظفين، فلاحين، مأجورين، أحرار وهكذا؟؟
ما معنى أن تنظم مهرجانات متتالية من طرف
هيآت مختلفة (جمعيات واتحادات) بنفس المدينة وبنفس الأمكنة وتعيد نفس النشاطات
(جداريات ومشاغل أطفال وندوات ومعارض)، نفس المشاريع تتكرر كما تتكرر علينا مشاريع
الأحزاب السياسية. والحصيلة تجدها لا شيء إلا ما كان من هجر وصراع ونميمة.
إن هذه الوضعية جد مأساوية ولا تبشر بخير،
وليست في صالح الفنان ولا المتلقي ولا الفن نفسه.
حتى نمضي بعيدا بالحركة التشكيلية المغربية
ونحقق الأهداف المنشودة بجعلها عالمية تسهم في تحريك التيار الحداثوي العالمي، يجب
إعادة التفكير في هويتنا كفنانين ولا أقصد هنا الهوية بمعناه المحافظ أي العودة
إلى الماضي، ولكن أقصد هويتنا كفنانين يعيشون في اللفية الثالثة، في عصر هيمنت
عليه العولمة وأخذته الحداثة الغربية أخذا عنيفا لدرجة الاختناق.
هذا موضوع آخر لا يتسع المقام هنا لتناوله
بالتفصيل، وسأعود إليه في فرصة أخرى.
لقد أصبح اليوم بمقدور أصحاب الأروقة التجمع
تحت لواء هيئة تمثلهم وتحفظ نشاطاتهم من الأيدي العابثة. في غياب هيئة كهذه أصبحنا
نعيش ولادات جديدة -أروقة داخل المنازل والفيلات، متاجر بقالة ومؤطري اللوحات
أصبحت أروقة للعروض الفنية وهكذا. ولا يخفى أن غياب القانون المنظم للمهن الفنية
فتح الباب لتشجيع الرداءة وترويجها والترامي على ملكيات الغير.
إن الفن التشكيلي يعد مغامرة بالنسبة للممارسين
إلى درجة الخسارة في أغلب الأحيان، لكنه يقدم أرباحا كبيرة للذين يتحينون الفرص،
دون أن تكون في مقابل تلك الأرباح جبايات ضريبية تجنيها خزينة الدولة، وهذا يعود
أيضا إلى غياب قانون المتاجرة في العمال الفنية.
إن أروقة العرض في المغرب تعيش ضائقة مالية
كبيرة نظرا لكونها لا تستطيع الاستمرار في مهمتها عن طريق ترويج اللوحات وحدها.
وإني أقصد هنا الأروقة الجادة التي تسعى إلى الإسهام في تطوير الفن التشكيلي
والتعريف به وطنيا ودوليا.
ويجب الاعتراف أن هذه الأروقة لم يسبق لها أن
أقفلت بابها في وجه المبدعين الشباب، والأدلة على ذلك كثيرة. فرواق المعمل
(لاتوليي) كان يعرض باستمرار أعمال شباب أثبتوا ذواتهم مع بداية الثمانينات كصلادي
وبوجمعاوي وكنطور وغيرهم، كما أن قاعة نظر غيرت استراتيجيتها رأسا على عقب، وأصبحت
لا تعرض إلا للشباب فقط. إلا أن المعضلة تكمن في الجودة وليس في الكم.
سؤالا يلح علينا باستمرار حول الجودة في الفن
والتطور وغيرهما من المصطلحات التي أصبحت مع فنون ما بعد الحداثة متجاوزة. ما هي
المعايير التي تحدد الجودة في فنون اليوم؟ كيف يمكن للفن أن يتطور من الأسوأ إلى
الأحسن؟ وكيف سنقيس ذلك التطور؟
أسئلة فلسفية طرحت نفسها على الفلاسفة
المحدثين بدءا بهيغل ونيتشه ومرورا بأدورنو ودانتو ومارك جمنيز. وسأتركها معلقة
لأن المقام لا يسعها، وإلا سيجرنا الحديث إلى تحديد ماهية الفن والعمل الفني والعملية
الإبداعية، إضافة على الغوص في مياه الحداثة ومباعد الحداثة العكرة.
إن بلادنا تعرف عددا وافرا من الفنانين
التشكيليين الشباب، إلا أن أغلبهم للأسف الشديد يجهلون ما هم بصدد عمله، فكيف يمكن
أن نسير ونحن لا نرى أبعد من أنوفنا. وعلى العموم إن الجميع يتحمل جانبا من
المسؤولية لما يصل إليه الإبداع الفني في بلادنا، الفنانون وأصحاب الأروقة
والمؤسسة الوصية والذين يكتبون عن الفن وسماسرة الفن والمقتنون للأعمال الفنية أو
المستهلكون.
هناك ثلاثة أنواع من المستهلكين الذين يقتنون
اللوحات: العارفون والواعون بما يقتنون، فهم يدركون أن هذا الاسم أو ذاك يمكن أن
تكون لأعماله قيمة فنية وحتى مركانتيلية، ولذلك هم يراهنون على قيم مضمونة الربح
نسبيا.
صنف ثان يشتري اللوحات بدون أدنى وعي ولا اطلاع،
فيجهلون نسبيا ما يقتنونه، فهم بطلك يساعدون على نشر وترويج الرداءة والفن من
الدرجة الثانية.
هناك نوع ثالث وهو أقل أهمية، يقتنون الأعمال
التي تحمل توقيعات مشهورة مقلدين في ذلك معارفهم والمقربين منهم أو حتى رؤساءهم
الإداريين. فهم من نوع Acheteur
snob.
فالذين يملكون اليوم لوحات الشرقاوي أو
الغرباوي أو مولاي أحمد الإدريسي وغيرهم من الفنانين الأوائل، هم في الواقع يملكون
ذخائر نفيسة ذات قيمة مالية كبيرة، وهؤلاء هم الفيئة الأولى التي ذكرتها آنفا.
ولوحظ عليهم أنهم توقفوا عن التجميع والشراء وحتى زيارة المعارض منذ أواسط تسعينات
القرن الماضي، كأنهم تنبؤا بمآلات الفن التشكيلي بالمغرب.
إن وجود الأروقة هو أمر أساسي، ذلك أنها
بالإضافة إلى كونها أماكن تجارية، فهي مراكز يمكن الاعتماد عليها من أجل الحصول
على المزيد من الوثائق والمعلومات المتعلقة بالتشكيل والفنانين، فهي تقدم خدمات
محمودة في هذا المجال، مادام التوثيق -وحتى الثقافي منه – مازال في مراحله
الأولية، ولذلك فالرواق يمكنه أن يلعب دورا ثقافيا، إذا هو حدد أهدافه وتوجهاته
بوضوح، بأن يقوم بإعداد إعلانات وملفات خاصة بالفنانين ودلائل أعمالهم وكتابات
نقدية حولهم، وبالمساهمة في نشر مطبوعات متخصصة في مجال التشكيل وتنظيم ندوات
ولقاءات ترصد مختلف قضاياه، وعلى القيم على الرواق أن يكون على علم بمجريات
الأحداث الخاصة بالحياة الثقافية والتشكيلية وواعيا بمسؤوليته التاريخية وبدوره
الفاعل في الحياة الثقافية.
إن أغلب الأروقة تعيش تقهقرا نسبيا في
السنوات الأخيرة، وبعضها لم يعد يثق فيما ينجز من أعمال اليوم، إذ أصبح نشاطها
مقتصرا على تنظيم بعض المعارض لأعمال سبق عرضها مرارا وتكرارا، نفس الأسماء ونفس
الأساليب ونفس الوجوه... والتكرار والاجترار ينبؤ ب "موت الفن " و
"نهايته" كما تنبأ بذلك هيغل في "جماليته" منذ ما يزيد على
قرنين من الزمن. وهناك من منهم اكتفى بتعليق بقايا من مخزونها القديم. فلا جمالية
ولا أرباح من مثل هذه المبادرات الخاسرة. والبعض الآخر انجر مع الموجات الفنية
الجديدة غير مهتما تماما بذائقة المتلقي المغربي ولا بخطورة المغامرة.
وإجمالا فإن تدهور هذا المجال يعود إلى عدة
عوامل، فقد نجد أن بعض الأروقة قد خطت لها طريقا وسنت لها أهدافا منذ البداية، إلا
أن تلك الأهداف أصبحت متجاوزة مع مرور الوقت وتعاقب الأزمات والنكسات. فما زال
الكثير منهم يرفع شعار التجريد...
لقد انتهى تيار التجريد قبل ميلاد حداثنا
الفنية، والحاضر اليوم هو لتجارب أخرى لاهي بالتجريدية ولاهي بالتشخيصية، بل تخرج
عن كل المعايير المألوفة. وفي مقابل ذلك يعكف بعض الفنانين على البحث عن أصالة
مصبوغة بالتراث لكنها تنطلق في عمقها من مفاهيم جمالية غربية محضة.
الهوامش
1 – تم توزيع الاستبيانات على شكل استمارة
تتكون من عشرة أسئلة، على أربعين فنانا مغربيا. وذلك خلال صيف 1991، وشملت العملية
فنانين من الرباط والدار البيضاء ومراكش.
2 – التكعيبية اتجاه فني طليعي ظهر خلال
الفترة ما بين 1907 و1920، أخذ مرجعتيه من أعمال بول سيزان والفن الإفريقي، وظهر
كرد فعل ضد الحركة الانطباعية والنزعة الوحشية التي كان يمثله ماتيس ودوران.
3-مدرسة باريس: تسمية شوفينية وضعت أساسا لتصنيف
عرقي لفناني فرنسا التجريديين الذين عاشوا بعد الحرب العالمية الثانية. وظهرت
التسمية لفرز هؤلاء الفنانين عن التيار التجريدي الأمريكي الذي انتشر بعمق خارج
حدود العالم الجديد.
نشر هذا المقال بمجلة "الثقافة
المغربية" العدد السادس – السنة الأولى، مارس-أبريل 1992

Commentaires
Enregistrer un commentaire