الفن المعاصر في الصالون



.
يلاحظ ان العنوان جد معبر عما يعيشه الفن التشكيلي في المغرب والعالم العربي عامة، من تناقضات واغتراب وازمة، تنذر بموته وفنائه.
الصالون والفن المعاصر ضدان لايلتقيان ولايتعايشان ابدا. فالمعروف ان من بين الميزات الاساسية التي عرف بها الفن المعاصر منذ ظهوره مع مطلع خمسينيات القرن العشرين، وحتى قبل هذه الفترة مع البوادر الاولى لميلاده، مارسيل دوشان والددائية والمستقبلية وغيرها من الاتجاهات الفنية الطلائعية، كانت تتجلى في خلق القطيعة مع ما سبق، واختراق القواعد الجمالية التي عرفها كل من الفن الكلاسيكي والفن الحديث. وذلك ما سمته الباحثة الفرنسية نتالي هنيك ب " لعبة الاختراق"، jeu de transgression. اي ان الفن المعاصر اخترق القواعد والمعايير التي هيمنت لقرون طويلة على السلوكات الفنية و الجمالية. ومن بين هذه السلوكات تداول الاعمال الفنية وعرضها في ما يسمى بالصالونات.
اول صالون لعرض الاعمال الفنية ظهر بباريس سنة 1667 وكان يعتبر المعرض الرسمي الخاص باكاديمية الفنون الجميلة. خلال الفترة مابين 1748 و 1890 تحول الصالون السنوي الى تظاهرة فنية بينالية، تنظم كل سنتين. سنة 1863 رفض الصالون الرسمي عرض اعمال الفنانين الانطباعين مما دفع بنابوليون الثالث الى تاسيس ماسمي بصالون المرفوضين الذي يعتبر نواة لميلاد الفن الطلائعي.
اما مصطلح البينال فجاء ظهوره سنة 1895 بالبندقية، ومع مطلع تسعينيات القرن الماضي خصصت معارض البينالات التي تنظم باكبر مدن العالم للفن المعاصر وحده. ومن اشهرها: بينالي البندقية وباريس وساوباولو وطوكيو وغيرها.
ان الفن المعاصر كما هو معروف عالميا قطع كل صلة بفكرة الصالون.
هذا من ناحية فضاءات العرض. اما من جانب مايعرض من اعمال تحت ظل صالون الفن المعاصر، فاظن انها في مجملها لاعلاقة لها بالفن المعاصر، بل هي اعمل مدرسية تحاكي تيارات واتجاهات الفن الحديث. ان الفنلنين الشباب الذين يتظاهرون داخل المغرب، ونجد اغلبهم في المهرجانات الاقليمية والمناسبات الوطنية، منظمين الى جمعيات واتحادات وغيرها لم يتحرروا من اغلال الفن الحديث واللوحة المحملية المؤطرة، وهذا لاعلاقة بالفن المعاصر. واذا التجأت اللجنة التي سهرت على تنظيم تظاهرة المغرب بمعهد العالم العربي بباريس، الى فنانين مغاربة مغتربين فلانها وجدت في اعمالهم الجرأة التي لم تجدها عند فناني الداخل. اولئك تعاطوا للفن المفاهيمي والاعمال التنصيبية، الانستلسيون، والاشتغال على خامات غير مألوفة وغير ذلك. اما فنانو الداخل فمازالوا مكبلين باغلال اللوحة المحملية والخامات المتداولة، صباغة مائية، زيتية، حفر، رسم وغيرها. انا اتحدث عن اولئك الفنانين المغتربين وماوصلوا اليه من جرأة ولكني لااقصد انهم اعطوا شيئا جديدا للعالم. والا فما هو هذا الجديد؟ لايمكن توضيح الجواب دون حجج مصورة. انهم يعملون تحت شعار " نعيد مانرى" .
من ميزات الفن المعاصر كذلك انه يستعين ويستعيض بالخطاب اثناء عروضه، فلايمكنك استيعاب مغزى العمل الفني دون اللجوء الى الحكايات والنوادر التي تدور حوله والتي ساعدت على ميلاده. وخير مثال على ذلك " مبولة" الفنان الفرنسي مارسيل دوشان وقصة عرضها.
اضافة الى الخطاب يتدخل الفضاء في عملية الفهم والاستيعاب، اذ لايمكننا فهم عدد من الاعمال الفنية وقبولها دون تموضعها داخل الفضاء الذي هي فيه، مثال اعمال الفرنسي دانييل بوران. فاعماله تبقى عبارة عن اشرطة ملونة تحيلنا على اتجاه تجريدي هندسي، اما وهي تموضعة داخل فضاء معماري حدده الفنان آنفا، فانها تاخذ ابعادا جمالية اخرى.
من بين مميزات الفن المعاصر كذلك، كونه يخضع للسوق والمزادات التجارية. وهذه ميزة خاصة بما يعرف بالجيل الثاني من هذا الفن، الذي ظهر مع بداية التسعينات من القرن الماضي. فهؤلاء الفنانين حققت اعمالهم مبيعات باثمان خيالية، من بينهم الانجليزي داميان هورست والكوري موكارامي. وتهافت مجمعو الاعمال الفنية على اقتناء اعمالهم من الصين ودول الخليج والهند خاصة، وجل المقتنين يفتقدون الى ادنى ثقافة فنية. فتبقى الموضة دافعهم الرئيسي الى التهافت على هذا النوع من الفن، ومن ثم يعتبره كثير من النقاد فن الموضة مآله الفناء.
اخر ما يمكن ملاحظته على الفن المعاصر انه فن استفاد كثيرا من الحملات الاعلامية، فظهرت مجلات متخصصة راقية تقنيا، ورقية والكترونية، انضاف الى طواقمها عدد من الكتاب والنقاد، منهم من كان يعرف بالجدية والالتزام في كتاباته، ولكنها البورصة ونقود البترودولار. كما ظهرت متاحف كبرى تصرف لها ميزانيات خيالية، دبي كمثال، يشرف على تسييرها ثلة من " الخبراء" والكوراتور الغربيين، لهم الكلمة الاولى والاحيرة واليد الطولى في الاشراف على هذه المؤسسات الوليدة حديثا، ولايسعون ابدا في توجيه ابناء البلد المضيف وتثقيفهم فنيا وجماليا، مخافة ان ينفلت الزمام من بين ايديهم في يوم من الايام. فما يملأ مثل هذه الفضاءات الجديدة هو الرداءة والقذارة والاعمال الهجينة.
هذه بعض ميزات وخصوصيات الفن المعاصر.
فحينما نتكلم نحن عن الفن المعاصر ونعنون به معارضنا ونسمي به متاحفنا ونتخذه شعارا لمهرجاتنا وتظاهراتنا، فانما نقصد شيئا نجهله تماما، او نعرفه لكننا نتجاهله لاننا نسعي لان نكون معاصرين. وهذا مايحصل. فما نراه في معارضنا هو معاصرا لنا من حيث الزمن، وليس معاصرا من جانب الاسلوب والاتجاه الفنين.
اذا ونحن امام غياب فن معاصر كما هو متعارف عليه عالميا، كيف سيكون النقد المعاصر؟
سبق لي ان تحدث في مقال اخر عن غياب الجرأة في الكتابة النقدية. لاانكر ان هناك كتابات جادة ناتجة عن مجهودات كبيرة يبذلها اصحابها لتقريب العمل الفني من المتلقي، لكن النقد بمفهومي ايضا المتعارف عليه غائب تماما. ومن تم تسمية ناقد فني تعتبر بطاقة لافائدة من حملها. فحينما تطلع علينا باحثة وعالمة اجتماع مثل نتالي هنيك التي لها عدد من المقالات والكتابات والمؤلفات عن الفنون، الكلاسيكي والحديث والمعاصر وتقول في حوار لها :" انا لست ناقدة فنية" ماذا سنقول نحن، اصحاب مقالات متناثر في الصحف المحلية والعربية، لم تخضع بعد للنقد الذاتي، ولم تترجم الى لغات اخرى؟ انسمي انفسنا نقادا للفن؟ لا. اننا نكذب على انفسنا، كما نكذب حينما ندعي ان لنا فنا عربيا واننا اكتشفنا " الحروفية"، التي لولا ابحاث اندري ماسون وبول كلي ما كنا " لنعيق" بها. ومااضفنا للحرف العربي؟ لاشيء الااننا ملأنا بها لوحاتنا واخرجناه من روحانيته وقدسيته، ولوكان ابن مقلة حيا، لجرنا امام القضاء.
هذا قدرنا...
ننقل ولانضيف...
زرهون 2016

Commentaires

Articles les plus consultés