الفاصلة بين الحداثة والمعاصرة ليست من اختراع النقاد
النقاد القيمون على الفن في البلاد العربية كعادتهم، كل حسب ميوله وتعاطفه
ورؤاه وفلسفته، وبدون أي نظرة نقدية موضوعية، مقتفين خطوات الطوائف الثلاث، فاتحين
صدورهم لأي شيء صادفته أعينهم، معتبرين إياه فنا معاصرا، معتقدين أنهم حققوا
التحول من الحداثة إلى ما بعد الحداثة. ويجب التأكيد هنا على أن هذا التحول لم يكن
في الغرب اعتباطيا ولا ظرفيا عابرا، بل له ما يبرره تاريخيا وأنطولوجيا. ولم يكن
الفصل بين الحداثة والمعاصرة من اختراع "نقاد مأجورين"، كما اعتقد فاروق
يوسف صاحب كتاب (الفن في متاهة – الفن العربي بين المتحف والسوق وإملاءات الفنون المعاصرة).
فقد صرح بأن "هناك فاصلة اخترعها نقاد مأجورون بين ما هو حديث
وما هو معاصر. فالحداثة من وجهة نظرهم (أي النقاد المأجورون)، تنتمي إلى ماضي الفن
أما المعاصرة فهي تمثل ما يمكن الاحتفاء به انطلاقا من درجة القطيعة التي ينجزها
مع تاريخ ذلك الفن. غير أن ما تتستر عليه تلك النظريات الهشة من أوهام يفضحه وجود
فنانين معاصرين يعنيهم أن يمتزجوا بتاريخ الفن من حيث كونه إطارا جامعا لهويتهم. أذكر
هنا على سبيل المثال ليس إلا الأميركيتين كيكي سميث(1*) وسيندي شيرمان(2*)
والهندي كابور*3)) والبرازيلي
ارنستو نيتو (4*). هناك العشرات من الفنانين لا تتعارض معاصرتهم مع
مزاج كلاسيكي يحمل في جوهره رسالة الجمال الثابتة على مر العصور. فالجمال باعتباره
نبوءة لا يكتسب قيمته من خلال نفاق شعبوي هو في حقيقته مقدمة لدعاية استهلاكية
أشبه بالفقاعة. لغة الفن لا تقع في
المفردات المطلية بلمعان زائف، بل في الجمل التي تقول الحقيقة. وهذا يعني أنه لن
يكون هناك معنى للمعاصرة ما لم يكن الفن وفيا لأصوله الضاربة بجذورها عميقا. المعاصرة
كذبة ما لم يكن حملتها والدعاة إليها حرصاء على المحافظة على قوة الفن."(6)
شخصيا لا أتفق مع فاروق يوسف على ما صرح به بخصوص كون الحداثة في نظر النقاد - الذين لم يحدد هويتهم، أهم عرب أم عجم - تنتمي
إلى ماضي الفن، وأن المعاصرة تمثل القطيعة مع تاريخ الفن. فليس هناك أي من النقاد الغربيين
أو العرب من يربط الحداثة بماضي الفن، إذ الكل يعتقد بداهة أن الحداثة هي قطيعة مع
الماضي، مع عصري النهضة والتنوير الأوروبيين. فالحداثة الفنية الأوروبية، منذ
بداية القرن التاسع عشر، قد شكلت قطيعة فعلية مع الإرث الفني القديم الوسيط
والكلاسيكي النهضوي على الخصوص، اللذين ترتبط جذورهما بالتراث الفني
الإغريقي/الروماني/المسيحي، وهذا لا يجادل فيه أحد، ولا يخفى على فاروق يوسف نفسه،
والنقاد "المأجورون" كما سماهم، لم يخترعوا الفاصلة التي ذكرها، بين ما
هو حديث وما هو معاصر. حقيقة أن الفيلسوف/الناقد الجمالي أرتور دانتو Arthur Danto
(1924-2013) أوضح الفرق بين الحداثة والمعاصرة من الناحيتين الأنطولوجية
والجمالية، إلا أننا لا نجيز لأنفسنا اعتبار هذا الناقد وأمثاله من "النقاد
المأجورين".
يعتبر آرثر دانتو من الضروري أن يحدث الفرق بين الحداثة
والمعاصرة. بالنسبة إليه شكلت سبعينيات القرن الماضي الحدود بين الإثنين. ففي الفن
الحديث تبدو وجوه الاختلاف في الثورة التصويرية والتقدير الجمالي، والممارسة
المستقلة لبعض المعايير الفنية، والأفكار المتعلقة بالأشكال والألوان والفضاء،
بينما الفن المعاصر هو مجرد الخروج عن هذا السرد، ومن تاريخ الفن كله. إنها، حسب
رأي دانتو، نهاية "تاريخ الفن" أو حتى "نهاية الفن" نفسه،
عندما تتغير جذريا الأشياء المتأصلة من الفن. فلم تعد المسألة تتعلق بالجمالية L’esthétique، ولكن بفلسفة الفن من خلال الفن. إنها مسألة لتعيين ما هية الفن،
وتحرير ممارسته واستقلاليته.
إن الفاصلة
التي عزلت الحداثة عن النهضة، كانت من نتاج التاريخ، بما في ذلك التاريخ السياسي:
الثورة الفرنسية وبيانها حول حقوق الإنسان، الثورة الصناعية الإنجليزية، ظهور
الدولة الحديثة بمؤسساتها، التطور العلمي والاكتشافات العلمية (تطور الرياضيات
والفيزياء واختراع الآلات البخارية وغير ذلك)، الوعي بوجود عالم جديد وإعطاء نظرة
مخالفة لما كان في العصور الوسطى وعصر النهضة، مفهوم جديد للذات وظهور الفرد
الحديث، ظهور النظريات الفلسفية الحديثة وأثرها على فلسفة الفن والجمال،( ديكارت وكانط
و
بومغارتن وهيجل
وماركس وغيرهم)، سيطرة العقلانية وإيجاد
تفسيرات للظواهر الطبيعية، وسيادة الإنسان على الطبيعة (المعرفة العلمية: ديكارت
وبرغسون)،التغيرات التي حصلت على مستوى الشعر والأدب والموسيقى...
فالحداثة
الفنية هي بدورها لا يمكن فصلها عن الحداثة الشاملة، التي عرفها القرن التاسع عشر
على جميع المستويات: الاجتماعية والفكرية والثقافية والسياسية والاقتصادية. وما
كانت لتسمى حداثة وهي مرتبطة بالماضي، "فالحداثة تملك القدرة على أن تتأسس
(جمالياً) على نفسها، أي تجد أعمدتها وأسسها في نفسها ولا تحتاج إلى أن تستدعي
قيماً خارج زمنها"(7)، أي أن الحداثة الفنية ما كانت لتسمى كذلك
وهي مشدودة إلى الماضي الفني الكلاسيكي والأكاديمي،
رافعة شعار "الجمال" بمفهومه المثالي، الأفلاطوني والهيغلي. إن الحداثة بنت أسسها على مبدأ
الحرية المرتبط بالهوية الإنسانية، وما كانت لتحقق هذا المبدأ وهي تستمر في نسج
خيوط الربط مع التراث ذي ال "مزاج
الكلاسيكي (الذي) يحمل في جوهره رسالة الجمال الثابتة على مر العصور" كما
اعتقد فاروق يوسف.
يسمي فاروق
يوسف النظريات التي حددت الفاصلة بين الحداثة والمعاصرة ب "الهشة"، وهنا
يبالغ شيئا ما. "يجب أن ننظر إلى الحداثة، الأوروبية بطبيعة الحال، على أنها
عملية تاريخية شديدة التعقيد"(بغورة). فكما ظهرت الحداثة نتيجة للتحولات التي
عرفتها أوروبا على جميع المستويات، منتقدة الماضي التاريخي والحضاري، جاءت
المعاصرة أو ما بعد الحداثة بدورها نتيجة التحولات التي عرفها القرن العشرون
وأنتجتها الحداثة نفسها. ما بعد الحداثة أصلها حركة ثقافية نقدية لقيم الحداثة التي
أضحت متأزمة، حيث إن مشاريع هذه الأخيرة كلها باءت بالفشل: ما عرفه تاريخ البشرية
خلال العقود الأولى من القرن العشرين من سلبيات، وما آلت إليه الشعوب من استعمار
واستبداد وهلوكست نتيجة التفوق العسكري والتوسع الاستعماري والتطور التقني،
وارتفاع نسبة البطالة، وتقويض النظام الاشتراكي، وعدم تحقيق مشاريع التنمية في
بلدان العالم الثالث، والتلوث البيئي والدمار والخراب اللذان سببتهما الحروب
والنزاعات الطائفية. إنها "الحداثة المنتصرة أو المظفرة" كما سماها
الفيلسوف الفرنسي ألان تورين Alain Touraine في كتابه (نقد الحداثة) (8).
إذا نحن وافقنا فاروق يوسف في زعمه بأن "النظريات
التي حددت الفاصلة بين الحداثة والمعاصرة" هي نظريات "هشة"، فيجب
أن نعمم وصف الهشاشة هذا على جميع النظريات الفلسفية الجمالية التي كانت الحداثة
والمعاصرة والعلاقة بينهما من إشكالياتها الرئيسية، ومن تم سنضرب عرض الحائط كل
الكتابات الفلسفية لمدرسة فرانكفورت(A) ونظريتها النقدية التي كانت من بين
النظريات المؤطرة لما بعد الحداثة، والفلسفة التفكيكية لجاك دريدا Jacques Derrida (1930– 2004(، وفرانسوا ليوتار François Lyotard (1924-1998)
وشكه في السرديات الكبرى les métarécits، وكل نظريات الفلسفة المعاصرة بقاماتها: فوكو
وألتوسير وبودريار ودولوز وآخرون ممن يشتركون في الموقف المناهض للتقاليد
الأيديولوجية الحداثية في الغرب.
دفعني إلى
سرد هذا الكلام كله لأبين للقارئ أن الانتقال من النهضة إلى الحداثة ومن هذه إلى
المعاصرة لم يكن من باب الصدفة وأن الفواصل لم تكن من وضع "نقاد مأجورين"
ولا من اختراعهم. وحتى إذا رجعنا إلى الثقافة العربية الحديثة نجد أن الانتقال من فترة
الحداثة (التنوير والنهضة)، إلى ما بعد الحداثة، لم يكن من وراء رسم حدوده أشخاص بعينهم،
ولكن عوامل ظرفية وتاريخية تعيشها الثقافة العربية (مرجعية التراث، محولات التوفيق
بين الأصالة والمعاصرة، الهوية الوطنية، الاستعمار والتبعية، الاستشراق والاستغراب)
هي من يتحكم في زمن هذه الثقافة.
فالارتباط بالزمن الماضي والتعلق بالتراث في محاولة الانصهار "مع
مزاج كلاسيكي يحمل في جوهره رسالة الجمال الثابتة على مر العصور"‘، يعني رفض كل تجديد، والسير في الطريق المعاكس الذي نهجته الحداثة. وهذا
ما سلكته الحداثة الفنية العربية التي أخطأت الطريق ونهجت سبيلا أدى بها إلى متاهات
لم تستطع أن تنعتق من مسالكها. فسيرها في الاتجاه المعاكس
تماماً
للذي سارت عليه الحداثة الغربية، عبر إعادة
الاعتبار
للماضي
الحضاري
والثقافي،
ومحاولة
إعادة الحياة لبعض النماذج التراثية كالخط العربي
والزخرفة
الإسلامية
والفنون
الشعبية
والرموز أدى بها في نهاية المطاف إلى الاجترار والتكرار وإعادة نسخ ما سبق، حيث
بات فنانوها يكررون أنفسهم دون توقف إلى درجة الركاكة والتقزز والملل. لقد كانت
الحداثة الفنية العربية، بخلاف قرينتها الغربية تفتقد إلى خلفية معرفية وفلسفية/جمالية
تؤطرها وتجعلها مشروعا مكتملا يعطيها استمرارية في التاريخ والزمن.
يضيف فاروق
يوسف: "غير أن ما تتستر عليه تلك النظريات الهشة (التي فصلت بين الحداثة
والمعاصرة)، من أوهام يفضحه وجود فنانين معاصرين يعنيهم أن يمتزجوا بتاريخ الفن من
حيث كونه إطارا جامعا لهويتهم"، ويسرد أسماء فنانين في نظره، "لا تتعارض
معاصرتهم مع مزاج كلاسيكي يحمل في جوهره رسالة الجمال الثابتة على مر العصور".
يكفي أن نرجع إلى هؤلاء الفنانين الذين أعطاهم كأمثلة ليتبن لنا أن أعمالهم لا
علاقة لها ب «رسالة الجمال الثابتة" ولا بالجمال (المثالي) الذي يعنيه مضمرا
بكلامه، ولا بالتوجه المزاجي الكلاسيكي. فرسومات الأمريكية كيكي سميث تفتقد عن
قصد، إلى المهارة التقنية (الكلاسيكية/الأكاديمية) المعروفة، وسندي شيرمان تعبر
عبر عدسة كاميرتها، أما الهندي أنيش كابور والبرازيلي إرنستو نيتو فأعمالهما
مفاهيمية تنصيبية (Installation) معاصرة محضة، توظف خامات مختلفة. أتساءل إذا
أين يرى فاروق يوسف الجمال والمزاج الكلاسيكي لدى هؤلاء الفنانين المعاصرين الذين
سردهم كأمثلة في مقالته؟ لا شك أنه كعدد من النقاد ينظر إلى الفن المعاصر عبر عدسة
منظار تقليدية.
كان على فاروق يوسف، ليدعم فكرته عن وجود فنانين معاصرين امتزجوا بتاريخ الفن،
و"لا تتعارض معاصرتهم مع مزاج كلاسيكي"، أن يبحث له عن فنانين ما بعد
حداثيين أشد ارتباطا بالتوجه الأكاديمي، تصورا وتقنية ومهارة وأسلوبا، كأولئك
الذين يشكلون مثلا اتجاه الواقعية المفرطة Hyperréalisme))(*)، فرغم
أن هذا الاتجاه الحديث يوظف تقنيات عصرية كالرش ب آلة Aérographe
والاستعانة بأجهزة عرض الشرائح، واعتماد الصورة الفوتوغرافية، والتقنيات
الإلكترونية الحديثة، فهو يسعى إلى إعطاء صورة طبق الأصل للنموذج، وبالتالي يلعب
على مفهوم المحاكاة La mimésis، لينتج أعمالا تصويرية تفوق جماليتها تلك
التي تعطها آلة التصوير الفوتوغرافي.
محمد خصيف









Commentaires
Enregistrer un commentaire