اﻟﺨﻄﺎب اﻟﻨﻘﺪي وﻓﻨﻮن ﻣﺎ ﺑﻌﺪ اﻟﺤﺪاﺛﺔ: رؤﯾﺔ ﻣﻐﺎﯾﺮة




نتالي هنيك

سأتناول الموضوع من خلال تحليل مبسط لكتاب Le paradigme de l’art contemporain،
 Structure d’une révolution artistique ((Flammarion 2014 للكاتبة الفرنسية Nathalie HEINECH أستاذة باحثة في علم الاجتماع والذي حاولت خلال صفحاته 350 إعطاء مفاتيح فهم فنون ما بعد الحداثة عبر دراسة تحليلية وموضوعية تبسط للمتلقي الطريق لولوج عوالم هذا النموذج الفني.

فن حديث أم فن معاصر؟
الفن الحديث
معاصِرٌ أم حديث؟ هل هناك فرق بينهما؟ أم أنَّهما وجهان لعملةٍ واحدة؟
عادة ما تستخدم هاتين الصِّفتين بشكلٍ متكرّرٍ أثناءَ تبادلِهم أطرافَ الحديث، دون التفريق بينهما، سواء كان الحديث عن الفن أو الأدب أو غيرهما من المناسبات، الأثاث، الأزياء أو حتّى تصفيف الشّعر!
ولكنْ هناك فرقٌ هامّ لا يمكنُ تجاهلُهُ بين هاتين الصفتين في عالمِ الفنِّ.
جل مؤرخي الفن متفقون على أن الفن الحديث بدأ مع ظهور الفنانين الانطباعيين حوالي عام 1880 واستمر نشاطه حتى خمسينيات القرن العشرين. إلا أن هذا لايعني أن حركة الفن الحديث توقفت تماما وبالكلية لتبدأ حركة غيرها، فالتيارات والمدارس مازالت تقلد بشكل أو بآخر إلى اليوم، حيث نجد مثلا من الممارسات الفنية ماهو انطباعي أو سريالي أو تجريدي ومن الفنانين من يقتفي آثار بيكاسو أو ماتيس أو بول كلي وقس ذلك. ويلاحظ بوضوح أن اقتفاء الآثار هذا لا يخص الاتجاهات الحديثة وحدها بل أضحت المدارس الكلاسيكية بمعاييرها وقواعدها الجمالية مكونا أساسيا لكل تعليم فني بمعاهد الفنون الجميلية بالعديد من دول العالم، حتى وقت متأخر، أي حينما أجبرت المنظومات التربوية الفنية على إدماج التكنولوجيات الحديثة.
نخلص إلى القول بأنه رغم الصراعات والجدالات والمؤاخذات والانتقادات التي ظهرت على مدى تطور تاريخ الفن الغربي، والتي شكلت روح وجود المجموعات الفنية أو التيارات والنزعات، عبر البيانات والتظاهرات، والتي كانت تجد دعامتها من طرف الفلاسفة والجماليين، مازالت البرادغمات الثلاثة، كما أسمتها نتالي هنيك: الفن الكلاسيكي والفن الحديث والفن المعاصر، تتعايش تعايشا سلميا.
 يرتبط الفن الحديث بالتعبير عن باطن الفنان وما يخالجه من أحاسيس (نظام الوحدانية) الذي ينطوي أحيانا على تجاوز القوانين الجمالية التقليدية. ومن أهم مميزاته حصول الفنان على حريته، وغياب وصاية فنانين نظراء له، والابتعاد عن سلطة الكنيسة، والملوك والأمراء، والطبقة المهيمنة اقتصاديا، وظهور الأساليب المختلفة الخاصة بكل فنان، وتكوين المجموعات الفنية المدعمة أفكارها ببيانات تشرح من خلالها رؤاها الفنية وتوجهاتها الجمالية. "وبغضِّ النَّظر عن النّقطة التاريخيّة التي بدأ عندها الفنُّ الحديث، فإن العامل الحاسم في استمراره هو أنه منح الفنانين حريّةً جعلتهم يَثِقون بِرُؤاهم الدَّاخليّة، مما دفعهم إلى التَّعبير عنها من خلال أعمالِهم الفنية مكرّسين الحياةَ الواقعيَّة (القضايا الاجتماعية وصور من الحياة الحديثة) لتكون مصدراً لتلك الأعمال، ولم يكتفوا بذلك فقط وإنما جرّبوا واختبروا الإبداع بموضوعات مختلفة والتَّعبيرَ بوسائل متعددة قدر الإمكان".

الفن المعاصر:

  الفن المعاصر هو النوع الذي امتدَّ من وسط خمسينيات القرن العشرين حتى يومنا هذا، ولا يزال وجودُه مستمرّاً خلال حياتنا، أي بعبارة أخرى هو "معاصرٌ لنا".
 وكان عام 1970 نقطة البداية الحقيقية للفن المعاصر وذلك لسببين:
أولهما هو انبثاق مصطلحات "ما بعد الحداثة" (Postmodernisme) في ذلك الوقت، وفيها إشارة إلى أنّ عالَم الفنّ قد بدأ ينالُ كفايتَه من "الفنِّ الحديث" وحان دور حقبة أخرى تُغني ذلك العالم بأنماط فنية جديدة.
والسّبب الثاني هو أن ذلك العام كان آخرَ معقلٍ للحركاتِ الفنيَّة المصنَّفة بسهولة.
هذا مع الإشارة إلى أن بعض مؤرخي الفن يرجعون الفن المعاصر إلى خمسينيات القرن الماضي بظهور الملامح الأولى لاتجاه البوب أرت الأمريكي.

ويعرف بعض المؤرخين الفن المعاصر بتزامنه مع حاضرنا، أي باعتماد البعد الكرونولوجي، وليس باعتباره نوعا جماليا مستقلا بذاته، وبالتالي فالفن الذي تراه حولك اليوم ليس بالضرورة كله فناً معاصراً أي ما بعد حداثيا، بل، كما أشرنا إلى ذلك آنفا، هناك بقايا اتجاهات وتيارات كلاسيكية وحداثية مازالت تتداول إلى جانب اتجاهات فن ما بعد الحداثة. 
بينما يرى آخرون أنه نموذج مستقل له خصوصياته الفنية والجمالية التي يختلف بها عما سبقه.
                 


وخلاصة القول إن الفنون المعاصرة أو فنون ما بعد الحداثة هي مجموعة تيارات واتجاهات فكرية ظهرت في الغرب، وتنبني جماليا على أربعة أشكال من التعبير: الشيء الجاهز Ready made والتنصيبات Installation و فن الأداء Performance والفن المفهومي أو المفاهيمي Art conceptuel. وتجدر الإشارة أن كثيرا ممن كتبوا عن الفنون ما بعد حداثية، سواء في المغرب أو العالم العربي يعتقدون أن الفن المعاصر يتلخص في الفن المفهومي وحده وأن هذا الأخير يضم إليه كذلك الأنواع التعبيرية الثلاثة التي ذكرناها. وهذا من جملة الأخطاء الناتجة عن قصور في الفهم و عدم الإلمام بالموضوع. إن الفن المفهومي يعتمد الفكرة L’idée، دون السعي وراء تجسيدها ، " يعرف الفن ليس من خصائص جمالية الأشياء أو الأعمال، ولكن فقط من مفهوم أو فكرة الفن". يعرف الفنان الأمريكي جوزيف كوزيوت  Joseph Kosuth الفن المفهومي بأنه " الفن بوصفه فكرة كفكرة" (Art as Idea as Idea). ويعود أصل الفن المفاهيمي حسب كوزيوت إلى الأشياء الجاهزة التي عرضها الفنان الفرنسي مارسيل دوشان منذ بداية القرن العشرين: Porte bouteilles (1914) و Fontaine . (1917)  كما يرجع هذا الاتجاه إلى لوحة الفنان الروسي Kasimir Malévitch (Carré blanc sur fond blanc)  التي تعود إلى سنة 1918 .
 ومصطلح ما بعد الحداثة يشتمل ما جد خاصة في الفنون وينطبق هذا اللفظ على حركة تناهض ما يعرف بالحديث، ويتداول مصطلح الفن المعاصر في مجال الفنون التشكيلية كمقابل أو مرادف لمصطلح ما بعد الحداثة المتخصص أصلا في العمارة. كما نعلم أن العمارة هي التي منحت الفلسفة مفهوم ما بعد الحداثة (لغة عمارة ما بعد الحداثة – شارلز جيكنس-1979)،
إن نشأة الفن المعاصر ترتبط بالفن الحديث الذي يسبقه في الزمن، والذي رغبته كانت التغيير والقطيعة مع المتطلبات الفنية والجمالية التقليدية أصبحت حقيقة. وكانت الإرادة الموحدة هي إبعاد الفن التشكيلي عن وظائفه التمثيلية المعتادة في الفن الكلاسيكي أي التمثيل الحقيقي للعالم الحسي والمادي.
وإن الابتعاد عن التمثيل الموضوعي للعالم الحسي ليس من مميزات فنون المعاصرة وحدها، ولكنه أيضا من تحقيق الحقبة الحديثة، إذ نجد من رواد القطيعة مع تمثيل الموضوعي فنانو النصف الأخير من القرن التاسع عشر وفنانو طلائع القرن العشرين وفنون المدارس التجريدية وباقي الاتجاهات المنتمية إلى الحداثة.
فأغلبية النقاد يرون أن الفن المعاصر هو فن التحديث والتغيير، وفن الأزمنة الحاضرة الذي من كفاءاته ووظائفه هدم البيئة الجمالية الحديثة مع إعطاء أهمية لوسائل التعبير الجديدة.
إن مسألة الفن المعاصر، موضوع التفكير في الأوساط الثقافية، تبدو أنها تتموضع داخل محور إشكاليات القرن الواحد والعشرين الجمالية والفنية وتصعب الإحاطة بها. فالعديد من الكتب تناولت هذا الموضوع محاولة أن تكشف للقارئ المتتبع عن نظريات جديدة يمكنها طرح تعاريف حديثة مختلفة عما سبق، وذلك بهدف إظهار قوة وتآلف مكونات نظرية الفن المعاصر.
ويثير الفنان الفرنسي Daniel Buren دانييل بوران إشكالية "الحداثية" ليضع نفس التساؤلات حينما يصف أعماله بالمعاصرة في الزمن لأعمال النحات جياكوميتي. بالنسبة إليه المصطلح لا قيمة له اعتبارا لغموضه. ويرى أن خطورة المصطلح تتجلى في توظيفه كمبيد لكل ما يستعمل من قبل في الفنون البصرية.

في كتابها Le paradigme de l’art contemporain» « الصادر عن دار النشر (فلماريون، عام 2014) تعطي Nathalie Heinech  أستاذة علم الاجتماع ومديرة الأبحاث ب CNRS مفاتيح فهم فنون ما بعد الحداثة عبر دراسة سوسيولوجية، تحليلية وموضوعية. فتعتبر الفن المعاصر نموذجا Paradigme  أكثر مما هو نوع فني يتبع.
والنموذج يتمتع بغرابة Singularité تلعب على جميع المستويات الفكرية والجمالية والاقتصادية والقانونية والمؤسساتية.
ففي مقالة صدرت عام 1999 بعنوان « Pour en finir avec la querelle de l’Art contemporain »، الصادرة بمجلة Le Débat، اقترحت عالمة الاجتماع النظر في الفن المعاصر باعتباره نوعا فنيا يخضع لعدد من المعايير بدلا من كونه وحدة كرنولوجية. فتوصلت آنداك إلى اكتشاف تعايش اتجاهات متعددة من الفن المعاصر فيما بينها وبين اتجاهات متبقة من النماذج السابقة.
فالنموذج إضافة إلى كونه يرتبط في نفس الآن بالبعد الزمني الكرونولوجي المألوف في التأريخ الفني، والبعد الجنسي Générique الذي هو من اختصاص الجماليين نجده يشمل كذلك الخطابات المتداولة عن الفن والاقتصاد والقانون والمؤسسات والقيم وطرق تداول الأعمال وكيفية فهمها وقراءتها.
وبعبارة أخرى، النموذج هو البنية العامة للمفاهيم المقبولة في وقت معين وزمن معين، كقاعدة معرفية مشتركة بين الجميع، قابلة للجدال Controverse والنقاش حول طرق حل الإشكاليات وكيفية وضع المسائل. وتستعير نتلي هنيك فكرة البراديغم من مجال العلوم، مقتبسة أفكار المؤرخ الإبستمولوجي توماس كون، التي مفادها أن كل براديغم يظهر مستقلا عما قبله ومشكلا ثورة جذرية تحدث على شكل طفرات. ففي نظرها توجد تشابهات بين الغلم والفن من وجهة نظر "بنية الثورات" حيث لابد من توفر مجموعة من الشروط كي تحدث ثورة علمية، ومن هذه الشروط وجود جماعة ذات شكل مجموعة ضيقة أو محدودة العدد يتقاسم أفرادها نفس المبادئ والآراء تتخللها جدالات ونقاشات مبنية على قاعدة علمية .
فالكاتبة تتحدث عن نموذج يسمح بمقاربة موضوعية للفن حيث يمكن للعمل الفني أن يتخذ هويات متنوعة، وقوة هذه الفرضية هي أن تقدم للمتلقي رؤية تركيبية ومتماسكة ليس فقط عن السير الداخلي لعالم الفن لأن كل شيء يتغير داخل النموذج، من تعريف العمل وطرق تداوله ودور الوسطاء، ولكن أيضا عن الاختلافات الجمالية التي ميزت الانتقال من نموذج إلى آخر.
بالنسبة لنتالي هنييك الفن المعاصر هو عالم مصغر ومعقد وليس مجموعة من الأعمال الفنية أو مجموعة من الفنانين الموزعين.
إن شعار الفن المعاصر يرتبط بأربع لحظات رمزية تسمح بالوقوف على حمولته الثورية وتتمثل في:
-          الأشياء الجاهزة التي قدمها الفنان الفرنسي مارسيل دوشان منذ سنة 1910.
-          الأعمال المفاهيمية التي تعطي الأولوية للفكرة على حساب الموضوع المنجز، ويمثل ذلك الرسم الممسوح الذي قدمه روشنبرغ سنة 1953 وهو عبارة عن رسم  أصلي لفنان التعبير التجريدي آشيل غوركي مسح روشمبورغ ملامحه وعرضه، وهذا له رمزية ودلالة واضحة.
-          ثم فن الإنجاز أو الأداء Performance القائم على مجموعة من الحركات أمام الجمهور,
-          وأخيرا فن التنصيب Installation الذي يتميز بالاستغناء التام عن كل سند أو دعامة.
هذه المحطات الأربع المؤسسة للقطيعة أصبحت شعارا ورمزا للفن المعاصر، وتعد أساسا ومصدرا لمختلف التيارات والاتجاهات المتواجدة فيه.

تقترح نتالي هنييك علينا عملا يعطي عمقا لأبحاثها السابقة ويمنح المتلقي العادي فرصة فهم بدايات منطق عالم هو اقتصادي وجمالي في نفس الوقت. فحاولت الكاتبة أن تقف على الأصالة التاريخية والمؤسساتية والرمزية والجمالية للفن المعاصر.

فهي تبني فرضيتها من داخل عالم فن ما بعد الحداثة عبر تحليل منهجي للنتائج العملية لخصوصيات الفن المعاصر الأنطولوجية. ودراستها برغماتية/مادية ذات رؤية مائلة وليست رؤية مجابهة، فهي تحاول أن تحدد خصوصيات هذا الفن عبر وصف متعدد الجوانب معتمدة على الملاحظة وليس على التكهنات، موظفة قواعد معروفة مقارنة مع عوالم فنية أخرى.

تأتي فرضيتها تحت عنوان "نموذج جديد". محاولة تحديد حالة ونظام جمالي أصيل، فتقترح من جديد تقسيم ثلاثي لتشرح ما يعرف العوالم الفنية الثلاثة: الفن الكلاسيكي والفن الحديث والفن المعاصر، والتي تؤسسها ممارسات ومعايير تقويمية ومجموعة من الإكراهات المؤسساتية والاقتصادية.

وتستنتج أن الفن المعاصر هو فن القطيعة ليس على المستوى التاريخي الكرونولوجي فقط ولكن على المستوى الجنسي أيضا، فتفضي إلى مقاربة بنيوية للفن المعاصر ومن تم تبرر عنوان مؤلفها "بنية ثورة فنية" يحدد معالمها فنانون عديدون مصنفون إلى جيلين:

الجيل الأول
-          ظهر مع بداية الخمسينات و ينتمي إليه فنانو البوب آرت الأمريكان، وفنانو الواقعية الجديدة التي ظهرت بفرنسا بداية ستينيات القرن الماضي، ومجموعة فلوكسوس، ومجموعة BMPT أي بوران، موسيه، بارمنتيه وطوروني، إضافة إلى كريستيان بولتانسكي... كانت لهذا الجيل مواقف مخالفة للجيل الحالي، بحيث إن الفن عندهم هو فن الفكرة الذي ينتقد القيم والتقاليد الكلاسيكية وتاريخ الفن. وعرفوا بعدم اهتمامهم بالجانب التجاري مقابل الاهتمام بالتقدير والشهرة، ونسرد كلام للفنان الفرنسي Boltanski: " لم تكن آنذاك فكرة ناس مهمين كما هو الحال اليوم، كانت لحظة رائعة. لم تكن هناك أي فكرة بيع، لا أحد كان يبيع شيئا، كل فنان كانت له مهنة يمتهنها، أنا كنت أستاذا... لم يكن لدينا أي تصور عن البيع والذين يبيعون كنا نعتبرهم مغفلين، البيع لم يكن تصرفا مقبولا، كان مخجلا".

الجيل الثاني
-           ظهر مع بداية التسعينات، وهو جيل يتصف بالسخرية والتهكم والكيتش (الفن الهابط) والثقافات الشعبية ووله بالموضة، ينتمي إلى هذا الجيل فنانون بدون مرجعية ثقافية. بالنسبة إليهم يبقى الفن بضاعة ترتبط بتعددية الأوطان والرعاية والتحررية الجديدة الشاملة. فكان الفنانون يسعون وراء الثروة و جمع المال أكثر من سعيهم وراء الشهرة، عكس الجيل الأول. مما أدى إلى ظهور فقاعة مالية (bulle financière) مكونة من تجار وباعة ومضاربين ووسطاء، يتوفرون على رؤوس أموال كبيرة، قدموا من الدول النامية، خصوصا دول الخليج والصين. وإرضاء لهذه الفئة من المستثمرين تم التعاطي لفن هابط (kitch) وأعمال تدور مواضيعها حول الثقافات الشعبية، ويمثل هذا التيار Daniel Hirst، Koons  Jeff،و Morakami    ومجموعة Young British Artists. ومن خصوصيات هذا الجيل أنه يكفي معرض واحد في فضاء كبير، متحف فرساي أو قصر طوكيو مثلا ليصبح الفنان ذو شهرة كبيرة رغم صغر سنه وهنا يكمن دور الوسائط.
يدرج الجيل الجديد أناس بدون ثقافة، فيوجد بجانب أصحاب المجموعات هواة يشجعونهم ويشجعون الرداءة، مشجعون لهم معرفة سطحية بالفن الحديث وتاريخ الفن، ويجهلون تماما الفن الكلاسيكي. "نجد الفنانين ينتجون من أجل الأغبياء" كما وصفهم دانييل بوران ،ينتجون من أجل بورجوازية جديدة غير متفتحة ثقافيا.
فيبقى هذا الجيل بفنه مرآة للمجتمع الحالي " نرى اليوم التفاهة على المستوى الكوني" دانييل بوران.
قوانين اللعبة

يلاحظ أن نتالي هنييك حينما تصف الفن المعاصر لا تتحدث عن خصوصيات أو مميزات ولكنها تتحدث عن قوانين اللعبة الخاصة بهذا الفن. وكأن ما بعد الحداثة مجموعة من اللعبات مثلها مثل ألعاب الفيديو يجب فهم واستيعاب قوانينها للمشاركة فيها وبالتالي التميز كفاعل نشط في محطاتها.

مقدما تعتبر الكاتبة مبدأ "تجربة الحدود" مولدا أساسيا ومحفزا ضروريا يولد القطيعة مع ما سبق، المبنية على تغييب الجمال من جميع البحوث والتجارب الفنية. فلم يعد الجمال هدفا يعتمد في بناء أي تمثيل أو تعبير تشكيلي. كما تم تجاهل كل ما يتعلق بباطنية الفنان وأحاسيسه. وكل تأمل في الفن تم التخلي عنه نهائيا لصالح تجوال هزلي وساخر. إضافة إلى ذلك يبقى الفن " لعبة مع حدود ما يعتبر عادة فنا".
نلتقي على طول الكتاب الحديث عن الحدود الأخلاقية والقانونية المعرضة للشك والحدود الإستطيقية المدفوعة بعيدا. فبعض الفنانين يرفعون شعار الاستفزاز من أجل الاستفزاز، ويعلنون السخرية والإرادة القوية من أجل الغنى وجمع المال، فيفرضون أساليبهم أقل مما يفرضون علامتهم Label، فالفنان المعاصر يجب أن يكون مذهلا ومدهشا بطريقة راديكالية، فالراديكالية أصبحت معيارا يفوق ما تسميه نتالي هنييك "هروب الغرابة Fuite de singularité"، لدرجة أن الانتهاك يعد تقليدا وحتمية يمنع الفنانين من تكرار أنفسهم. فما نراه اليوم لا نجده معروضا غدا، الشيء الذي أعطى الفن المعاصر ميزة خاصة به تتجلى في كون أعماله يصعب أو يستحيل استنساخها.

العمل الفني يهجر الشيء

في نفس الوقت نجد الفن يبتعد عن الشيء L’objet ويبقى جوهر العمل الفني فوق الأشياء المقترحة من طرف الفنان. وما الشيء إلا ذريعة منشطة تصبح معها جمالية الفعل مهيمنة. ويتنازل الشيء عن مكانه الأصلي لصالح الفكرة والتجربة اللتان تجسدهما وسائل وتقنيات ومقاربات مختلفة. فتنتصر الإنشاءات التنصيبية   Installation الوازنة والمعقدة التركيب. ويغيب الشيء في فني الحدثية Happening   والأداء Performance. وبقدر ما العمل الفني يقتصر على الشيء الواحد (لوحة، نحت...)، بقدر ما هو خاضع لمجموعة تحديثاته. وهذه إشكالية تعد من خصوصيات الفن المعاصر، مما يضع المرممين وأصحاب الصيانة أمام مشاكل تقنية يصعب تجاوزها، بل إن تلك المشاكل أصبحت تحديات كبرى تقف في مواجهة جل المتاحف العالمية.

قانون الفنان

طرأت تحولات كبيرة على مفهوم قانون الفنان والممارسة الفنية. فالفنان المعاصر أصبح غير مطالب بإنجاز عمله بنفسه، وإنما يكتفي بتدوين أفكاره، كما أشرنا إلى ذلك في البداية، أو الاستعانة بفريق تقني متخصص يسهر على تنفيذ المشروع الفني، فيلج الفنان ومشروع دائرة المقاولة. فالفن المعاصر يشبه في غالب الحالات مقاولة ذات أنشطة مختلفة (يحضر هنا مثال كريستو ومقاولته). وحينما يغيب شخص الفنان خلال محطات الإنجاز يوجد حاضرا بإلحاح ومتتبعا لصيرورة العمل، فهو المخرج والمعلن والمروج لعمله، لدرجة أن أصحاب المجموعات وأصحاب القاعات والمنظمون والقيمون محتاجون لترخيص منه ولصداقته كي يروجوا أعماله.

أوساط الاعتراف

كي يتم الاعتراف بفنان ما داخل لعبة الفن المعاصر يفرض عليه المرور بالمحطات الأربع حسب الترتيب:
-          دائرة النظراء من الفنانين الذين يمارسون نفس الاتجاه.
-          أصحاب قاعات العرض والمجموعات ودور البيع بالمزاد (هنا القطاع الخاص).
-          المتاحف والمحافظون ومنظمو المعارض والبينالات (القطاع العمومي، أسواق الفن المعاصر FIAC، الأسواق الجهوية للفن المعاصر FRAC)
-          الجمهور العام الواسع الأقل اطلاعا.

رغم تنوع مقاييس التقويم وتباينها، إن لم نقل غيابها، كما يؤكد ذلك الجماليون، ورغم طبيعته الانتهاكية نجد الفن المعاصر يتحدى انتظارات الجمهور الواسع ويخلق تشوهات قوية بين تقويم الجمهور العادي وتقويم ذوي الاختصاص. فأصبح من الصعب التوفيق بين النماذج التقليدية المدرسة بمدارس الفنون الجميلة، المعرضة للنقد والنقاش والرفض أحيانا، والفنون التشكيلية التي تدرس بالجامعات وتجمع بين معرض النحت وعروض الأداء Performance أو التنصيب Installation. فالرسم يجاور الصور الرقمية أو برامج المولتميديا. ووحدة الفنون الجميلة تم استبدالها باختلاط و تهجين Hybridation المواد والتطبيقات والأشكال الفنية.




ترويج الفن المعاصر

نتيجة للتحولات الحاصلة على مستوى المهن الفنية والانقلابات المتواجدة داخل دوائر الاعتراف بالفنان، ظهر نظام جديد خاص بترويج الأعمال الفنية. فطبيعة العروض عرفت تغيرات جذرية إذ تم نهائيا إبعاد فكرة الصالونات التي فقدت قيمتها وعوضتها المعارض الكبرى «Foires» ،دولية «FIAC»  وجهوية «FRAC» ،والبينا لات العالمية، فسحق الكل بسبب تفاقم المنافسات الحاصلة بين فاعلي هذه الثورة، ثورة الفن المعاصر.
انطلاقا من هنا نشير إلى التطورات التي هزت بعمق نظام اقتناء المجموعات والمحافظة المتحفية والترميم دون نسيان المشاكل المتعلقة بنقل الأعمال.
ويرى البعض، منهم نقاد بارزون، أن المؤسسات العمومية تقتني الفن المعاصر بواسطة اعتمادات مالية عمومية. فماذا يمنحون الجمهور الذي يضع أمواله لبنائه تلك الاعتمادات؟ انطلاقا من ظهرت موجات السخط والغضب وردود الأفعال السلبية والانتقادات اللاذعة تجاه الفن المعاصر.  فأصبح يرى أن المؤسسات الحكومية لاتدعم أشياء ذات مصلحة عامة ولكن أشياء خالية من أي قيمة جمالية.
إن البروز القوي للمتاجرين في الأعمال الفنية وصناديق الاستثمار في الدول المتقدمة وأيضا الثروات الهائلة للدول الناشئة خلق فئة من المقتنين ذوي الإمكانات المالية الهائلة، والخبرة الطويلة في المضاربة مشجعين الرداءة والتهجين والأعمال القائمة على الإبهار، واللعب على تأثير الاختراق أو إنتاج أعمال تنال رضا وإعجاب المحبين والعشاق مباشرة وهم غير مثقفين في الغالب، ونمثل لذلك بمجموعة Young British Artists وممثلها Damien Hirst. فاليوم تضاعفت قيمة الفن المعاصر النقدية إلى حد كبير جدا وبيعت الأعمال بأسعار خيالية لم يعرفها الفن عبر تاريخه مطلقا.
حينما يلعب الفنان دور المتحفي:

إن تعليق وعرض الأعمال يصبح بدوره تحفة فنية حيث يخضع لمؤثرات الضوء والفضاء وثقافة المحيط والتداول...فهو يقترح التفكير في الإضافة الخاصة بالمتدخلين المعتادين في كيفية تنظيم المعرض سواء على مستوى الشكل أو المضمون. فظهرت حركة مزدوجة حيث أخذ فن التصميم (السينوغرافيا)، مكانه فارضا وجوده، وأصبح الطلب على الأماكن المتفرقة الخاصة بالعروض متزايدا مع المزايدة على الإنجازات الضخمة والأعمال المعاصرة، وبالتالي، بزغت حركتان ملازمتان للفن المعاصر، الأولى تهم ما يتعلق بالفضاء وطرق معالجته، ذلك الفضاء الذي تعرف عليه المشاهد العادي بحدسه وليس فقط مع ظهور فن الأرض.
ويليها حضور جسد المشاهد المطالب بإلحاح (وكذلك جسد الفنان نفسه)، ومع رواج وتزايد المعارض العالمية واهتمام المقتنين للأعمال أصبح الفنانون المعاصرون كثيرو السفر والتنقل بمصاحبة أعمالهم التنصيبية حتى أن بعضهم لم يعد لديهم مسكن ثابت.

العمل الفني والاستنساخ - تفوق حضور الخطاب

سبق وأن أشرت فيما مضى إلى أن الفن المعاصر غير قابل للاستنساخ وهنا سأتطرق إلى هذه الفكرة بوضوح.
يتعذر استنساخ الأعمال المنتمية إلى الفن المعاصر، كما يتعذر فهمها دون المرجعية السردية أي استحضار السياق الخاص بالعمل الفني الذي صاحب بناءه. " فالسرد يعطي إمكانية "تمديد العمل الفني خارج نطاق الشيء، لأن في حقيقة الأمر لا يوجد شيء وإنما هناك تراكيب وفن مفاهيمي، أفقدت الشيء قيمته الأصلية. فللحديث عن أعمال الفن المعاصر وفهمها، يتناول الناقد قصصا ومشاهد تتعلق بالسمات الأساسية للعمل الفني. وكمثال نذكر "الأشياء الجاهزة" أي ready-made للفنان دوشان وقصة عرض "المبولة".
يبقى الفن المعاصر فنا يحتاج إلى خطابات وحكايات وسرد، ولا نتصور تقديم أعمال للعرض دون أن تكون مصاحبة بخطاب أدبي يوضح الفكرة التي يسعى الفنان إلى تقديمها، فاللجن المسؤولة عن الدعم ترفض أي عمل مقترح غير مصحوب بنصوص توضيحية حررها الفنان بنفسه ، بل تعتبر هذا النوع من العمل غير معاصر بعيد عن فن ما بعد الحداثة.
نستوعب أسرار العمل الفني وخباياه أكثر حينما نحكي عنه ونسرد القصص والنوادر التي صاحبت ميلاده، بينما استنساخه فنيا يعقد الوصول إلى هذا الهدف، فلا يمكن استنساخ الأعمال التنصيبية Installations أو أعمال الأداء Performance أو أعمالا تتكون من تركيبات فيديو أو ملتيميديا وحتى لو بلغت عملية إعادة الإنتاج أوْجَ اكتمالها فسيظل هناك شيء ينقصها: مكانية وزمانية العمل الفني؛ وجوده الأول في المكان الذي حدث فيه. ففي ذلك الوجود الأول لا سواه بدأ التاريخ الذي لن ينفك عن كيان ذلك العمل. وسنضع في الحسبان التغييرات التي سيعاني منها في بنيته المادية على امتداد تاريخه، وكذلك تبدلات ملكيته التي ستتدخل فيه بقدر ما أمكن. ونضرب كمثال أعمال الفنان كريستو و بوران وغيرهما من فناني ما بعد الحداثة.
فأشرطة دانييل بوران Daniel Buren  معلقة أو معروضة وحدها، خارج فضائها، تفقد قيمتها الجمالية المعاصرة وتصبح في عداد فنون الحداثة لا غير. فالأشرطة البيضاء/السوداء يمكن نسخها مستقلة، لكنها وحدها ليست جوهر ما يهدف إليه الفنان.
على عكس ذلك إذا عرضت داخل سياقها الفضائي -حيث يقدمها الفنان -فإنها تأخذ أبعادا أخرى منها الانتهاك والخرق transgression، أي خرق أبعاد ومواصفات العمل الفني الذي لم يعد يقتصر على الشيء المقترح من طرف الفنان، بل إنه ذلك العمل المعاد ترتيبه داخل فضاء جديد. فجوهر أعمال دانييل بوران كغيره من الفنانين المعاصرين يتجلى في التساؤلات التي يثيرها العمل الفني لدى المشاهد.
وينتج عن الاستنساخ أو إعادة الإنتاج، تلف وضياع الهالة أو النفحة الفنية أي العبق الخاص بالعمل كما سماه والتر بنيامين Benjamin W.، الذي يحيط بالعمل الفني فيعطيه قيمته الجمالية، وهي بهذا المعنى الشعور الخاص المضفى على العمل الفني الأصيل الذي يتمتع به ، كما أن "نوعية الفن المترفعة" هي عنصر رئيسي في هالة العمل الفني، ذلك العنصر الذي لا يمكن إدراكه إلا ارتباطا بسياق طقس سحري ينبثق أصلا من العمل الفني نفسه، لأن الهالة لا مثيل لها في أي عمل فني آخر، ولا يمكن الحفاظ عليها طالما تم استنساخ العمل الفني تقنيا.
فالنسخة تصبح مالكة لاستقلالية ذاتية مقارنة مع النموذج الأصلي، وتجعل العمل يتموضع داخل سياقات جديدة تمكن من تغيير وجهات النظر تجاهه والقيام بتعديلات عليه (تكبير، تصغير...)، إضافة إلى كون النسخة تتوجه إلى المتلقي فتصبح سهلة التناول داخل ظروف جديدة بخروجها عن سياقها الزمكاني. وإن مكان وزمان العمل الأصلي هما اللذان يُبقيان على مفهوم أصالة ذلك العمل وغرابته. ومن المعروف أن أصالة شيء ما وفرادته، هي محتوى كل شيء فيه، من نشأته إلى أن يصبح موروثاً، من ديمومته المادية حتى شاهديته التاريخية. ومفهوم الفرادة يأخذ عند والتر بنيامين معنى "الندرة" و"الأصالة" ومما لم يسبق له مثيل" ومما له من قيمة تقديسيه"، التي تنقل أصالة العمل الفني، ليبرهن بها على وجوده النادر ويثبت نفسه في الذاكرة التاريخية. وإن أصالة أي عمل فني، إنما تكمن في جوهر الشكل وفي أصوله التراثية واستمراريته المادية.
إن ما اندثر في عصر إعادة إنتاج العمل الفني تقنياً هو أصالته أي عبق ذلك العمل AURA)). وإن هذا الحدث علامة فارقة تتعدى أهميتها نطاق الفن. إن قيمة الهالة، كما يقول بنيامين، هبطت في ظل هيمنة الحداثة. أي هبوط الخبرة الفنية في العصر الحديث، الذي يعود إلى" احتضار الحكمة" التي أخذت بالأفول.
إن تقنية إعادة الإنتاج، هكذا يعبر عنها عموماً، تُخرج العمل المعاد إنتاجه من نطاق الموروث. فبما أنها تقوم بإعادة إنتاج عمل مستنسخ، فإنها تضع مكان وجوده الوحيد وجوده الهائل الكثرة. وبما أنها تسمح لإعادة الإنتاج بالنزول عند رغبة المتلقي حسب وضعه الخاص، فإنها تستحدث العمل المعاد إنتاجه من جديد.  ولا اشك أن هذه المسألة تؤدي إلى حدوث زعزعة قوية للعمل المتوارث، زعزعة الموروث، الذي هو الوجه الباطن للأزمة الراهنة، أزمة الفن كما يعتقد الكثيرون.
في الأخير نخلص إلى أن العمل الفني المعاصر يستند أساسا إلى "تجاوز حدود الفن المتعارف عليها أصلا " ونقلها إلى الرؤية الداخلية المعتمدة في النموذج فيأخذ شكل "تجربة حدود" «Expérience des limites»، يغذيها الاعتراف المؤسساتي السريع الذي يؤدي إلى تطرف المقترحات الفنية. فالعمل المعاصر لم يعد يلبي متطلبات الخضوع إلى القوانين الأكاديمية (النموذج الكلاسيكي)، ولا حتى أي تعبير عن باطن الفنان (النموذج الحديث). وهكذا يخترق الفنانون المعاصرون بعض القيود القانونية والأخلاقية التي باتت تغذي الفن التشكيلي منذ قرون.
وفي الفن المعاصر يتم التأكيد على التخلي عن شرط الأصالة، فالفنان المعاصر أصبح مخترقا "لجميع أنواع المسافات منها المسافة المادية مع عمله، سواء بانتشار نوع من التفاخر بالنفاق والسخرية [...] والتزوير [...]، أو النكتة، وعدم الجدية. وأخيرا، صورة الفنان نفسه تصبح زائفة وغير أصيلة.
ورغم ذلك فالحركات الفنية المنتمية إلى الفنّ المعاصر يعبّر فنانوها عن وعي اجتماعي، اقتصادي وسياسي أكثرَ مما فعلته أي حقبة سابقة من تاريخ الفنّ.
وعبر السنواتِ الثلاثين الأخيرة، ارتبطَت مجموعةٌ كبيرةٌ من الأعمالِ الفنيَّة بقضيَّةٍ واحدةٍ أو أخرى كالمساواة بين المرأة والرّجل، التعدديّة الثقافيّة، العَولمة، الهندسة البيولوجية، العنصرية، الإتجار بالبشر والتوعية فيما يتعلق بمرض فقدان المناعة المكتسب (الإيدز). كلّ تلك الأعمال تقدّم إلى الأذهان مواضيع تستحق التفكير والتعبير.

محمد خصيف
فنان تشكيلي - المغرب





Commentaires

Articles les plus consultés