قراءة في لوحة





قراءة في لوحة

"صورة خارقة القديس فرنسيس باولا لوكاس" للفنان الإشبيلي لوكاس فالديس(1662-1690) Lucas Valdés ، المنجزة عام    1710والمتواجدة بمتحف الفنون الجميلة في إشبيلية.
يعد الفنان من أكبر فناني الباروك الأندلسيين الذين عرفهم النصف الثاني من القرن 17. أسلوبه غامق ودرامي وعاطفي. اللوحة التي بين أيدينا محيرة، تتطلب تفكيرا عميقا لتشفير الخطاب المخفي وراء الرموز التشكيلية، المكونة ل"العالم المستقل للأثر"، حسب تعبير المؤرخ إروين بانوفسكي. هذه سمة من سمات الفن الباروكي، الذي بدوره يتأسس على قواعد أكاديمية، تجعله مستعصي القراءة، متجاوزا الوقوف عند الوصف السطحي البسيط. فأي عمل فني أكاديمي لا يمكن استيعاب دلالاته دون ربطه بمرجعيات ميتافزيقية، إيديولوجية، وفلسفية وغيرها.    
يتناول موضوع اللوحة فكرة الزمن بثلاثيته، الماضي والحاضر والمستقبل Allégorie du temps  أو .Allégorie de la mort  هذه التيمة نجدها تتداول بكثرة عند العديد من فناني تلك الحقبة. بجانب الأزمنة الثلاثة المجسدة في الصورة هناك زمن حاضر آخر، متواجد خارج الصورة، وهو زمن الرسام/الشاهد والموثق للحدث. فنحن أمام أزمنة ثلاثة تعد "مكونات جمالية ثاوية داخل اللوحة الحامل تفسر لنا تصوير الموت في ثلاثة أزمنة: الحاضر الماضي والمستقبل". كما وضحها الأستاذ محمد الشاوي*، متوازية ومتزامنة الحضور، كلها متواجدة في حاضر الرسام الشاهد، الذي ترك بصر المشاهد للوحة يتيه بين رؤوس الشخوص الثلاثة وهي في نفس الوقت رؤوس مثلث اعتمده الرسام في تكوين عمله، (انظر الصورة 8). ولاتخفى على أحد الحمولة الدلالية للمثلث في الديانة المسيحية، وتداول شكل المثلث عند أغلب الفنانين الكلاسيكيين منذ عصر النهضة الإيطالية مرورا بالباروك والمانيريزم والكلاسيكية الجديدة في القرن الثامن عشر. يتضح التكوين المثلثي أيضا من خلال اعتماد الفنان زاوية واحدة، مظلمة تشد إليها بشكل درامي، الملاك الجالس وتقويها هيئة الشخص الميت الذي هو كذلك على شكل مثلث. الزوايا الحادة حاضرة في كل مكان: الجناحان وذراع الملاك التي تربط بين الرأسين وساق الملاك وعمود المحمل وهيئة الميت (الصورة 3). ولإغناء التكوين وجعله أكثر تنوعا وحيوية وتثمين فكرة المثلث/الثالوث أثث الفنان فضاءه التشكيلي بأربعة أشكال هندسية غير مثلثة، بل مستطيلة، البورتريه على اليسار واللوحة على المحمل والطاولة التي على اليمين. ثم الباب المفتوح للتهوية وليس كمنفذ للإنارة. هي أشكال مبنية على التعامد الذي يقوي السكينة والهدوء ويكسر درامية المكان، فهو تعامد غير مطلق السكون بل تعطيه الخطوط المنحنية بعضا من الدينامية. اللوحة فضاء سجني شديد البرودة، تكوينه التشكيلي مغاير تماما لما اعتدنا رؤيته لدى الفنان Lucas Valdés ،يزيد من قوة البرودة التناغم اللوني العام الذي تسبح فيه اللوحة.
الصورة 1: تحديد النقطة الذهبية Point d’or، وجه الملاك الذي يشد إليه بصر المشاهد من أول نظرة.  
الصورة 2: تبين تنقل بصر المشاهد من الملاك إلى وجه الشيخ على المحمل ثم وجه الرجل الممدود على الأرض ويتوقف النظر على وجه الملاك مرة أخرى.  
الصورة 3: الزوايا التي تشتمل عليها اللوحة.
الصورة 4: الخطوط العمودية  
الصورة 5: مركز ثقل الصورة. رغم أن وجه الملاك يسقط فوق النقطة الذهبية للتكوين العام، إلا أنه لا يشكل ثقله. فالخطوط كلها متجهة نحو وجه الشيخ لتصعد بنا نحو الأعلى، الهالة البيضاء، من حيث أتى الملاك.       
الصورة 6: تبين الكتل التي تتشكل منها اللوحة، كلها ذات إطارات مستطيلة الشكل، إلا كتلة الجسم الممدود على الأرض. لاحظوا من أين تمر مختلف الخطوط.   
الصورة 7: توضيح مجموعة المثلثات التي تشملها اللوحة. المثلث المتزاوي الساقين CKEإسقاطه العمودي هو المستقيم CD الذي توجد به النقطة الذهبية، ويربط بين الأوجه الثلاثة. المستقيم يفصل بين عالمين رمزيين Allégoriques، عالم الواقع (الموت واللوحة)، وعالم ماورائي (الملاك والبورتريه). كلا العالمين يشمل مفارقة خاصة به، الرسام الميت طرف من واقع بينما اللوحة شكل ميتافيزيقي يعكف الملاك (بدوره كائن ميتافيزيقي) على تشكيلها. البورتريه في أقصى اليسار ينتمي إلى واقع عياني بحضور كائن ميتافيزيقي (الملاك). يتواجد الملاك والبورتريه داخل حيز مكاني غامق لا يكشف عن محتواه باستثناء النافذة المشبكة التي ترمز إلى الإغلاق واستحالة النفاذ. وحتى الملاك الجالس (عكس ما نجده في جل الأعمال الكلاسيكية حيث الملائكة كائنات ترفرف بأجنحتها تعبيرا عن الخلاص) أضفيت عليه صبغة إنسية ف "تأنس" ولم يعد يرمز لملاك هبط من السماء ليؤدي مهمة ربانية. في الجانب المقابل يقف البورترية الذي يرسمه الملاك بجانب الرسام الممدود على الأرض وغير القادر على الحركة والانعتاق من هذا الفضاء رغم تواجد باب مفتوح. هذا الوسط BCDI يعوم في هالة من الضوء، إذا كانت من صنع الفنان فلها رمزيته وإن كانت سببها آلة التصويرFlash فقد تكون إضافة جمالية وسموا للصورة، وأنارت جانبها اليميني لتخلق تضاد مع الجانب الأيسر الغامض.
الصورة 8: المنظور الهندسي الذي يؤسس عليه فضاء اللوحة التشكيلي، وهو منظور أوقليدي واجهي Frontal، ذي نقطة هروب واحدة. تلتقي جميع الخطوط الهاربة في يد الملاك وتشكل نقطة ذهبية ثانية إذا أخذنا اللوحة في مقاساتها الحقيقية الكاملة، (اعتمدت الصورة ناقصة المقاسات خلال قراءتي السابقة للصور السبع). يتم احتساب النقطة الذهبيةعلى الشكل التالي:    
ᶲ=AB/AC
 وقيمته الجبرية تقارب العدد 1,618.

هوامش:
* محمد الشاوي - بلاغة النعي و غربة الفنان. مقال منشور على صفحة أستاذ الفلسفة المغربي محمد الشاوي.
https://www.facebook.com/mohamed.chaoui.9/posts/10210976712518054                                 










Commentaires

Articles les plus consultés