بهتان كناشة
وقفنا ننتظر وطال وقوفنا حتى أحسست بركبتاي ترتجفان وألم حاد يسري في عروقهما يتقطع من شدة البرد الذي عبق ساحة الحي التي توجد بها قاعة المعر...ض. قاعة المعارض هذه كانت عبارة عن فتحة خرقتها أيدي الشماكرية بسور المدينة التاريخي. حينما شرع في تنفيذ مخطط سياسة القرب الثقافية والفنية، ارتى المسؤولون أن يرمموا تلك الفجوة ويقدموها هدية لساكنة الحي كفضاء ثقافي وفني، يتعارف من خلاله الشبان العاطلون والمتقاعدون من الشيوخ والنساء اللي سالوا أشغال الكوزينة، والشماكرية الذين باتوا يسقون جذور السور العتيق بولا وتغوطا، يتعرفون على مواهب المدينة الصاعدة في الشعر والنثر والرسم ووو.
بقينا ملتزمين الوقوف والانتظار لأزيد من الساعتين، حتى حضر الوفد البلدي ليمد رئيسه يده ويقرض بمقصه الشريط الحريري الأحمر ليفسح المجال ويحرر القوم من أغلال الانتظار التي وثقت الأقدام منذ مالت الشمس للأفول وراء جبال الأطلس الشامخة. بدأنا نتحرك خطيات وأكتافنا تتمايل يمينا وشمالا تحت ضغط الزحام، لتتوقف هنيهات نتلذذ بالشروح التي يقدمها الفنان العارض للمسؤول البلدي. حف المدعوون بالفنان يتذوقون الأحاسيس والعواطف التي يسيل بها لعابه، والأعين تنسج خيوط الربط بين ما يفوه به العارض وألوانه المترامية على جدار القاعة الضيقة:
- هذه اللوحة تعبر عن الحنان الذي ضاع مني مع وفاة والدي... والأحمر يرمز إلى الدم، والأزرق سماء حيينا...
تاه الفنان في يم من الرمزيات الفارغة يتحفنا بأدبياته كتلك التي اعتادت تقصفنا بها صفحاتنا الثقافية. ومن خلال القراءات تبين لي وأنا أتصفح كتالوج المعرض، وموجة الحاضرين تجرفني، حتى اختنقت رئتي بين أضلاعي، أن صاحبنا خاوي السيرة والسريرة.
لففت الكناشة وغادرت القاعة دون أن ألتفت لأرى رد فعل الجمهور الحاضر. غشيت سحابة من اللامبالاة وعدم الاكتراث الفضاء. أنا بدوري لم أعد أكترث لما يجري. لم أشعر كيف انتقلت من الطوار الذي ركبته قدماي إلى الذي يقابله، ولا كيف ولجت الحديقة العمومية المجاورة. علوت أحد المقاعد الحديدية الصدئة ورميت الكناشة بجانبي واستسلمت لفكري يعيد علي شريط الأحداث التي لم تغادر حموضتها أذهاني. وفجأة تبادر إلى مسامعي صوت تتخلله خشخشة الورق. التفت جانبا لأترصد مصدر الصوت وإذا بي أفاجأ والكناشة تخاطبني:
- أراك تأثرت بخرافات صاحبنا، ولم تتحمل حكاياته ثم بادرت مغادرا المكان.
- فعلا، لم أطق سماع خزعبلاته، حبذاه لو التزم الصمت وترك اللوحات تعبر بالنيابة عنه.
- لاأحد اليوم يجرؤ على كشف المسكوت، ولا فضح المستور. خذني وتصفح وريقاتي وسترى.
- تصفحت واطلعت على كل شيء، الصور والألوان والكلمات والأشياء.
- الكلمات والأشياء... لاتقل لي إنك فوكوي القراءة، فلن أصدقك لأنك لم تقرأ ما بين السطور. فلقد غمرتني الطباعة بهتانا وزورا.
- لم أفهم... اشرحي لي.
- لا ادري لمن أوجه تهمة الزور، للطباعة أم للمداد أم للورق؟
- كيف وضحي لي.
- ماذا تعرف أنت عن صاحب الصورة؟
- إنسان قفز على الحائط القصير وزلت قدمه وغاص في بحر الألوان، وهاهو يجذف بدون مقاذيف.
- هذا ظاهر الأمر لكن ما خفي كان أعظم.صاحبنا كتب سيرة طويلة، دراسة وتكوين وجوائز وتكريمات ومعارض بالداخل والخارج، وسفريات فوق العادة...حينما تطلع على سيرته تحسبه كان من خطاطي البعد الواحد، وهو قد بدأ البارحة. يدعي أنه تلقى تكوينه الفني بمعاهد اشبيلية وباريس ولاهاي وحقيقته تقول عكس ذلك، مثله كمثل ذاك الذي خلط اللونين الأزرق والأحمر وصاح في جلسائه: إنني اكتشفت اللون البنفسجي.
- بقيت متسمرا في مكاني أتحسس صدأ المقعد ينساب إلى نخاعي مع برودة الحديد، دون أن أنبس ببنت شفة، وصور صاحبنا الفنان تغمر مخيلتي وهو بمعاهد الفنون الجميلة يرسم طبائع صامتة شاردانية، ويخطط رسيمات ليونارد وانجلو ورامبراندت ودورير... وينسخ تمثال داوود ونصر سوماتراس.
لففت كناشتي وهي خارصة، مستسلمة لقدرها، متأبطة سطور اختلاقها وتمثال ساموتراس ينبؤني أن يداه مازالتا مرفوعتين و على كتفيه بطاقة كتب عليها MISSIGN HEAD.
بقينا ملتزمين الوقوف والانتظار لأزيد من الساعتين، حتى حضر الوفد البلدي ليمد رئيسه يده ويقرض بمقصه الشريط الحريري الأحمر ليفسح المجال ويحرر القوم من أغلال الانتظار التي وثقت الأقدام منذ مالت الشمس للأفول وراء جبال الأطلس الشامخة. بدأنا نتحرك خطيات وأكتافنا تتمايل يمينا وشمالا تحت ضغط الزحام، لتتوقف هنيهات نتلذذ بالشروح التي يقدمها الفنان العارض للمسؤول البلدي. حف المدعوون بالفنان يتذوقون الأحاسيس والعواطف التي يسيل بها لعابه، والأعين تنسج خيوط الربط بين ما يفوه به العارض وألوانه المترامية على جدار القاعة الضيقة:
- هذه اللوحة تعبر عن الحنان الذي ضاع مني مع وفاة والدي... والأحمر يرمز إلى الدم، والأزرق سماء حيينا...
تاه الفنان في يم من الرمزيات الفارغة يتحفنا بأدبياته كتلك التي اعتادت تقصفنا بها صفحاتنا الثقافية. ومن خلال القراءات تبين لي وأنا أتصفح كتالوج المعرض، وموجة الحاضرين تجرفني، حتى اختنقت رئتي بين أضلاعي، أن صاحبنا خاوي السيرة والسريرة.
لففت الكناشة وغادرت القاعة دون أن ألتفت لأرى رد فعل الجمهور الحاضر. غشيت سحابة من اللامبالاة وعدم الاكتراث الفضاء. أنا بدوري لم أعد أكترث لما يجري. لم أشعر كيف انتقلت من الطوار الذي ركبته قدماي إلى الذي يقابله، ولا كيف ولجت الحديقة العمومية المجاورة. علوت أحد المقاعد الحديدية الصدئة ورميت الكناشة بجانبي واستسلمت لفكري يعيد علي شريط الأحداث التي لم تغادر حموضتها أذهاني. وفجأة تبادر إلى مسامعي صوت تتخلله خشخشة الورق. التفت جانبا لأترصد مصدر الصوت وإذا بي أفاجأ والكناشة تخاطبني:
- أراك تأثرت بخرافات صاحبنا، ولم تتحمل حكاياته ثم بادرت مغادرا المكان.
- فعلا، لم أطق سماع خزعبلاته، حبذاه لو التزم الصمت وترك اللوحات تعبر بالنيابة عنه.
- لاأحد اليوم يجرؤ على كشف المسكوت، ولا فضح المستور. خذني وتصفح وريقاتي وسترى.
- تصفحت واطلعت على كل شيء، الصور والألوان والكلمات والأشياء.
- الكلمات والأشياء... لاتقل لي إنك فوكوي القراءة، فلن أصدقك لأنك لم تقرأ ما بين السطور. فلقد غمرتني الطباعة بهتانا وزورا.
- لم أفهم... اشرحي لي.
- لا ادري لمن أوجه تهمة الزور، للطباعة أم للمداد أم للورق؟
- كيف وضحي لي.
- ماذا تعرف أنت عن صاحب الصورة؟
- إنسان قفز على الحائط القصير وزلت قدمه وغاص في بحر الألوان، وهاهو يجذف بدون مقاذيف.
- هذا ظاهر الأمر لكن ما خفي كان أعظم.صاحبنا كتب سيرة طويلة، دراسة وتكوين وجوائز وتكريمات ومعارض بالداخل والخارج، وسفريات فوق العادة...حينما تطلع على سيرته تحسبه كان من خطاطي البعد الواحد، وهو قد بدأ البارحة. يدعي أنه تلقى تكوينه الفني بمعاهد اشبيلية وباريس ولاهاي وحقيقته تقول عكس ذلك، مثله كمثل ذاك الذي خلط اللونين الأزرق والأحمر وصاح في جلسائه: إنني اكتشفت اللون البنفسجي.
- بقيت متسمرا في مكاني أتحسس صدأ المقعد ينساب إلى نخاعي مع برودة الحديد، دون أن أنبس ببنت شفة، وصور صاحبنا الفنان تغمر مخيلتي وهو بمعاهد الفنون الجميلة يرسم طبائع صامتة شاردانية، ويخطط رسيمات ليونارد وانجلو ورامبراندت ودورير... وينسخ تمثال داوود ونصر سوماتراس.
لففت كناشتي وهي خارصة، مستسلمة لقدرها، متأبطة سطور اختلاقها وتمثال ساموتراس ينبؤني أن يداه مازالتا مرفوعتين و على كتفيه بطاقة كتب عليها MISSIGN HEAD.

Commentaires
Enregistrer un commentaire