شهادة اختطاف
أي!أي! أي!
ياللمفاجأة....
هذه لوحتي! عشيقتي! نزعت مني نزعا. اختطفت مني قسرا. افتقدتها منذ ازيد من عشرين سنة ولم تترك لي حتى فرصة استنشاق زيت حلتها الكتاني ولا امتاع بصري بالوانها البهية. احساس انتابني فجأة، وغمرني كشعور خشن سرى يدغدغ أطرافي، حينما رأيت لوحتي القرنفلية معلقة تستنشق غبار الدكان النتئ، اقتربت منها لاتاكد من هويتها، واذا هي فعلا تحمل بطاقة تربط نسبها بنسبي، وتلميعها يعكس صورتي. اكتشفت ان كتانها يلف ذاتي، وآثار أناملي مازالت حاضرة تتراقص على صفحتها البنية. التفتت نحو صاحب الدكان وسألته:
-كم ثمن هذه اللوحة؟
-انها، قديمة، لفنان مات منذ زمان.
-اريد شراءها. كم تبيعها؟
وقبل ان يصلني رده، ترامت الى مسامعي خشخشة تنم عن حركة، فالتفت واذا بي ارى لوحتي تنفض غبارها وتحدق في بعينين مغرورتين، اختلط دمعهما بلون الصباغة القرنفلية، وفاحت منهما رائحة ال vernis .خاطبتني بنبرة قوية:
-لست للبيع.
-انك عشيقتي. الاتتذكرينني؟ فقدتك من زمان، وطال بحثي عنك. لم اعثر لك على اثر. ضعت مني، ولم ادر كيف. اني مازلت احبك. احبك.
-انك تعرف كيف اضعتني.
-تركتك في امان. في قاعة نادرة قل نظيرها، يرعاك شخص مومن، أمنته عليك انت واختك زريقة.
-ذاك الذي امنته علينا، كان انسانا طيبا، سهر على رعاياتنا، لكنه خدع. وقع ضحية مكر وخداع من شخص يدعى الجرائدي، ضياء الدين الجرائدي. انك تعرفه.
-ماذا حصل؟ احك لي.
-ذات مساء كنا متحلقين حول مؤتمننا يحكي لنا نوادره وطرائفه حول الفن والفنانين، فولج علينا عالمنا الجرائدي ليخبر مؤتمننا الذي امنته علينا انك كلفته ببيعي انا واختي.
-كذب! انا لم اكلف احد!
-وثق منه صاحب القاعة بعدما فك خيوط الشك والريبة التي باتت تحاك حول، أسه، فسلمنا اليه.
-وبعد؟
-اخذنا ضياء الدين وطاف بنا على مجموعة من معارفه، لكن لااحد منهم اشترانا. كان يطلب ثمنا عاليا. تركنا في بيته لمدة، وكلما زاره احد السكارى المعروفين لديه، تجده يقدمنا اليه. لكن حيله لم تنفع وبقينا مصلوبتين بصالونه لمدة فاقت السنتين.
-ثم؟
-ولما ضاق ذرعا منا، جاء بنا الى هنا، وباعنا.
-بكم؟
-لايهم بكم بيع يوسف. مايهم هو من هو يوسف.
-بكم باعكما؟
-بدراهم معدودة وكان فينا من الزاهدين، لانه كان عازم على السفر الى الخارج.
تذكرت ما حدث. وماروته لي عشيقتي أرجع ذاكرتي الى المثلث الاحمر الذي كنا نجتمع حوله نحتسي القهوة وناكل الكعكة ونتبادل الاحاديث حول الفن واهله ومشايخه ومريديه. تذكرت الجرائدي ونصه الايزوتيريكي الذي كتبه لنا نحن مجموعة الاربعة. تذكرته وهو يلح علي كي ادفع له الف درهم مقابل سطوره الفارغة الا من كلمات جافة كالقلم الذي كتبت به. كلمات لامعنى لها. استغنيت عن النص لانني لو نشرته لتكثفت سحابة التعتيم وابعدتنا عوض ان تقربنا من جمهورنا وعشاق فننا. كنت اعلم بداهة ان الجرائدي سيصفف كلماته مستنجدا ببصيص نور الهينيكين. فهو من اولئك الذين لاتحلو لهم الكتابة عن الفن الا اذا تجرعوا عصارة الشعير واستظلوا بنور الهينيكين. وبما انني لم اقدم له شيئا بداية، فطبيعي ان النور سيكون باهتا ونصه غير مقروء.
لم الب طلبه لانني لم استغل النص لنشره، ولم يتحقق تنظيم ذاك المعرض اصلا.
رفعت رأسي احدق في وجه لوحتي الشاحب المطلي بغبار الحانوت، وشريط الاحداث مافتئ يتواتر لينير ذاكرتي.
خاطبتني عشيقتي في تحسر:
-رأيت ماذا فعلت بنا، أبدلتنا بنص مكتوب. حنا رخاص عندك حتا لهاد الدرجة؟!
هي تتكلم وانا احس بأوتار عنقي ترتخي لدرجة ان رأسي زاغ عن كتفي وشعرت بدوخة تلفني وانوار تتراقص امام عيناي. لم تعد رجلايا قادرة على تحملي.
عدت الى صاحب الدكان فوجدته متكئا يرشف شايه الساخن، وهو في غياب تام عن دراما عشيقتي، غير مكثرت لمأساتنا. وبعد هنيهة، رفع رأسه ينظر الي كأنه يراني لاول مرة، ثم بادرني قائلا:
-أراك قد اطلت التأمل في اللوحة. هل اعجبتك؟
قبل أن اجيبه احسست وكأن فؤادي يرد عليه: أودي غير سكوت راك ما عارف والو.
-نعم اعجبتني، وسآخذها منك.
تحركت اللوحة فجأة و بقوة تحررت من مسمارها العشري وصرخت في وجهي وقد تغير لونها:
-اخرج، لن اذهب معك. الم تسمع ما اخبرك به من قبل، لقد مات عشيقي. مات. مات. مات.
ثم اجهشت بالبكاء.
كانت حشرجة صوتها تكلمني وقد هممت بالرحيل وفرائصي ترتعش فوق عتبة الباب:
ياللمفاجأة....
هذه لوحتي! عشيقتي! نزعت مني نزعا. اختطفت مني قسرا. افتقدتها منذ ازيد من عشرين سنة ولم تترك لي حتى فرصة استنشاق زيت حلتها الكتاني ولا امتاع بصري بالوانها البهية. احساس انتابني فجأة، وغمرني كشعور خشن سرى يدغدغ أطرافي، حينما رأيت لوحتي القرنفلية معلقة تستنشق غبار الدكان النتئ، اقتربت منها لاتاكد من هويتها، واذا هي فعلا تحمل بطاقة تربط نسبها بنسبي، وتلميعها يعكس صورتي. اكتشفت ان كتانها يلف ذاتي، وآثار أناملي مازالت حاضرة تتراقص على صفحتها البنية. التفتت نحو صاحب الدكان وسألته:
-كم ثمن هذه اللوحة؟
-انها، قديمة، لفنان مات منذ زمان.
-اريد شراءها. كم تبيعها؟
وقبل ان يصلني رده، ترامت الى مسامعي خشخشة تنم عن حركة، فالتفت واذا بي ارى لوحتي تنفض غبارها وتحدق في بعينين مغرورتين، اختلط دمعهما بلون الصباغة القرنفلية، وفاحت منهما رائحة ال vernis .خاطبتني بنبرة قوية:
-لست للبيع.
-انك عشيقتي. الاتتذكرينني؟ فقدتك من زمان، وطال بحثي عنك. لم اعثر لك على اثر. ضعت مني، ولم ادر كيف. اني مازلت احبك. احبك.
-انك تعرف كيف اضعتني.
-تركتك في امان. في قاعة نادرة قل نظيرها، يرعاك شخص مومن، أمنته عليك انت واختك زريقة.
-ذاك الذي امنته علينا، كان انسانا طيبا، سهر على رعاياتنا، لكنه خدع. وقع ضحية مكر وخداع من شخص يدعى الجرائدي، ضياء الدين الجرائدي. انك تعرفه.
-ماذا حصل؟ احك لي.
-ذات مساء كنا متحلقين حول مؤتمننا يحكي لنا نوادره وطرائفه حول الفن والفنانين، فولج علينا عالمنا الجرائدي ليخبر مؤتمننا الذي امنته علينا انك كلفته ببيعي انا واختي.
-كذب! انا لم اكلف احد!
-وثق منه صاحب القاعة بعدما فك خيوط الشك والريبة التي باتت تحاك حول، أسه، فسلمنا اليه.
-وبعد؟
-اخذنا ضياء الدين وطاف بنا على مجموعة من معارفه، لكن لااحد منهم اشترانا. كان يطلب ثمنا عاليا. تركنا في بيته لمدة، وكلما زاره احد السكارى المعروفين لديه، تجده يقدمنا اليه. لكن حيله لم تنفع وبقينا مصلوبتين بصالونه لمدة فاقت السنتين.
-ثم؟
-ولما ضاق ذرعا منا، جاء بنا الى هنا، وباعنا.
-بكم؟
-لايهم بكم بيع يوسف. مايهم هو من هو يوسف.
-بكم باعكما؟
-بدراهم معدودة وكان فينا من الزاهدين، لانه كان عازم على السفر الى الخارج.
تذكرت ما حدث. وماروته لي عشيقتي أرجع ذاكرتي الى المثلث الاحمر الذي كنا نجتمع حوله نحتسي القهوة وناكل الكعكة ونتبادل الاحاديث حول الفن واهله ومشايخه ومريديه. تذكرت الجرائدي ونصه الايزوتيريكي الذي كتبه لنا نحن مجموعة الاربعة. تذكرته وهو يلح علي كي ادفع له الف درهم مقابل سطوره الفارغة الا من كلمات جافة كالقلم الذي كتبت به. كلمات لامعنى لها. استغنيت عن النص لانني لو نشرته لتكثفت سحابة التعتيم وابعدتنا عوض ان تقربنا من جمهورنا وعشاق فننا. كنت اعلم بداهة ان الجرائدي سيصفف كلماته مستنجدا ببصيص نور الهينيكين. فهو من اولئك الذين لاتحلو لهم الكتابة عن الفن الا اذا تجرعوا عصارة الشعير واستظلوا بنور الهينيكين. وبما انني لم اقدم له شيئا بداية، فطبيعي ان النور سيكون باهتا ونصه غير مقروء.
لم الب طلبه لانني لم استغل النص لنشره، ولم يتحقق تنظيم ذاك المعرض اصلا.
رفعت رأسي احدق في وجه لوحتي الشاحب المطلي بغبار الحانوت، وشريط الاحداث مافتئ يتواتر لينير ذاكرتي.
خاطبتني عشيقتي في تحسر:
-رأيت ماذا فعلت بنا، أبدلتنا بنص مكتوب. حنا رخاص عندك حتا لهاد الدرجة؟!
هي تتكلم وانا احس بأوتار عنقي ترتخي لدرجة ان رأسي زاغ عن كتفي وشعرت بدوخة تلفني وانوار تتراقص امام عيناي. لم تعد رجلايا قادرة على تحملي.
عدت الى صاحب الدكان فوجدته متكئا يرشف شايه الساخن، وهو في غياب تام عن دراما عشيقتي، غير مكثرت لمأساتنا. وبعد هنيهة، رفع رأسه ينظر الي كأنه يراني لاول مرة، ثم بادرني قائلا:
-أراك قد اطلت التأمل في اللوحة. هل اعجبتك؟
قبل أن اجيبه احسست وكأن فؤادي يرد عليه: أودي غير سكوت راك ما عارف والو.
-نعم اعجبتني، وسآخذها منك.
تحركت اللوحة فجأة و بقوة تحررت من مسمارها العشري وصرخت في وجهي وقد تغير لونها:
-اخرج، لن اذهب معك. الم تسمع ما اخبرك به من قبل، لقد مات عشيقي. مات. مات. مات.
ثم اجهشت بالبكاء.
كانت حشرجة صوتها تكلمني وقد هممت بالرحيل وفرائصي ترتعش فوق عتبة الباب:
-لن اذهب معك، هنا مقبرتي. المسمار دق فوق نعشي، وآل مصيري الى الجوطية. اخرج. أنت مازلت فنان ... وانا لن اكون تحفة.



Commentaires
Enregistrer un commentaire