مقاربة تأريخ الفن التشكيلي المغربي




عن أي فن نتحدث؟
يجب تحديد ماهية الفن التشكيلي بدقة ووضوح، الذي نحن بصدد الحديث عنه.
كثيرا ما تصادفنا كتابة أو شفاهة، التسميات التالية:
الفن التشكيلي المغربي، التجربة التشكيلية المغربية، الفن التشكيلي المغربي الحديث، الصباغة المغربية، الفن التشكيلي في المغرب، الفنون التشكيلية المغربية، الفن المعاصر بالمغرب، الفن المعاصر المغربي...
يبدو واضحا أن ليس هناك توافق واتفاق على تسمية الفن التشكيلي الذي تعرفه الساحة الثقافية المغربية، وأن المفاهيم الموظفة للتعريف به  غير مستقرة على مفهوم بعينه، مما يشكل غموضا ولبسا لدى الدارس الباحث والمتلقي/ المشاهد. فالحديث عن موضوع واسع وشائك يتطلب الدقة العلمية في تحديد مفاهيمه خصوصا إذا أخذنا بعين الاعتبار المرجعية الحالية لهذا الفن والتي تتخذ فيها تلك المفاهيم التعريفية أبعادا اصطلاحية غير التي نعطيها نحن. إن كل تحديد هو نسبي معرفيا وتاريخيا، وفي كل تحديد نوع من الانتقائية.
سأتناول التسميات المذكورة واحدة تلو الأخرى:
-  الفن التشكيلي المغربي: نقصد هنا فنا واحدا مفردا غير متعدد ولا متنوع الفروع والأجناس، وغالبا ما يقصد التصوير بالذات، La peinture، يبقى السؤال مطروحا حول انتمائه وتحديد مكوناته الجمالية والأسلوبية، التي تجعله مغربيا. إذا توصلنا إلى ضبط تلك العناصر والإحاطة بها، سننجح في استخلاصها من بين مكونات تتلاقى وتتلاقح معها لتشكل فنون بلدان أخرى، مجاورة لنا جغرافيا وتتقاسم معنا، نحن المغاربة تاريخنا، اذ انها تنتمي إلى نفس الحضارة العربية الإسلامية التي نعيش في كنفها. بمعنى أوضح كيف سنفرق بين فن مغربي وآخر جزائري وثالث تونسي ورابع أندلسي له نفس العناصر والمكونات الجمالية؟
-  التجربة التشكيلية المغربية: تسمية تتداول كثيرا في الكتابات النقدية والحوارات الصحفية والمداخلات الشفاهية، عبر وسائل الإعلام واللقاءات والندوات. أيجوز بعد مرور أزيد من نصف قرن على بداية الفن التشكيلي الحديث بالمغرب، ان نتحدث عن "تجربة"؟ هل مازال الفنانون التشكيليون المغاربة يجربون الخامات والأسندة والرؤى؟ ألم يتوصلوا بعد إلى إرساء أسس فن تشكيلي له شخصيته التي يتميز بها عن غيره، وتجعله فاعلا نشطا في الثقافة الوطنية وله دوره الفعال في مسار الفن العالمي؟ انها مجرد اسئلة تطرح نفسها وبإلحاح، ولايسع المقام للإجابة عنها حتى نثبت بمنهجية ابستمولوجية اذا كان الفن التشكيلي قد ارسى اسسه الجمالية التي تجعله في قمة العالمية!
-  الصباغة المغربية: هذا التعريف يقصي باقي الأجناس الفنية التشكيلية الأخرى، غير الصباغية، كالنحت والحفر والمنجزات التنصيبية والأدائية وغيرها.
-   الفن التشكيلي في المغرب: جاء الفن مفردا وجامعا في نفس الوقت، والتسمية لا تلمح إلى أي انتماء ثقافي/جمالي قطري، بل يعتقد منها أن الفن التشكيلي زائر أجنبي حل ضيفا على المغرب.
-  الفنون التشكيلية المغربية: جاءت التسمية هنا على صيغة الجمع، وبالتالي تشمل جميع الفروع الفنية التشكيلية ذات البعدين الإثنين أو ذات الأبعاد الثلاثة. لكن غالبا ما تستثنى باقي الاجناس الفنية التي تنضوي تحت هذه التسمية في جل الكتابات المؤلفة لحد اليوم،اذ تغيب كليا الدراسات النقدية حول النحت والمعمار والديزاين واعمال الفن المعاصر الما بعد حداثية.
-  الفن المعاصر المغربي: تتخذ المعاصرة هنا من مفهومها الزمني/التزامني. إنه فن معاصر لأنه من إنتاج فنانين مازالوا على قيد الحياة و معاصرين لنا. اما الاصطلاح الجمالي للمعاصرة ففنوننا مازالت بعيدة عنها، ومن يتحدث عن فن مغربي ما بعد حداثي فهو واه، ولا يلمس من الاشياء الا القشور.
-  الفن التشكيلي المغربي الحديث: تقبلنا الشطر الأول من هذه التسمية أقررنا بأنه فن تشكيلي مغربي مستقل بذاته تاريخيا وجغرافيا وجماليا، لكنه "حديث" بالنسبة لماذا؟ نعلم أن الفن الحديث الأوروبي له مقومات أنطولوجية وفلسفية/جمالية تمنحه شرعية انتمائه إلى تاريخ الفن الغربي.. فهو لم يظهر اعتباطا ولا صدفة. فتاريخيا ارتبط الفن الحديث بالحداثة الأوروبية التي شكلت التحولات المختلفة التي عرفتها أوروبا بعد عصر الأنوار وامتد مفعولها إلى منتصف القرن العشرين، وكان الفن أحد محركات قاطرتها النشطة. "الحداثة ظاهرة تاريخية (...) ترسمها الصيرورة على خط التطور... في أوروبا يتحدثون عن ما بعد الحداثة، باعتبار أن الحداثة ظاهرة انتهت مع نهاية القرن التاسع عشر، بوصفها مرحلة تاريخية قامت في أعقاب عصر الأنوار (القرن 18)، هذا العصر الذي هو نفسه جاء في أعقاب عصر النهضة (القرن 16) " (الجابري).
اذا كان الامر كذلك، فأي عصر انوار قامت ضده حداثتنا الفنية? بل اي عصر انوار قامت في اعقابه الحداثة العربية بأكملها?
فعكس ما جرى في اوروبا القرنين 18 و 19، حيث ظهر عصر الانوار ثم تلته الحداثة، كان التنوير والنهضة العربيين متزامنين خلال فترة زمنية واحدة، القرن التاسع عشر. وما اطلق عليه النهضة هو نفسه الحداثة العربية. وندور وندور ثم نسقط في فخ الالتباس الاصطلاحي.

Commentaires

Articles les plus consultés