مصير فنان (1
استيقظ كبور العبسي متأخرا كعادته ووجد أمه المسنة قد نظفت الغرفة الصغيرة التي لاتتجاوز مساحتها أربعة أمتار مربعة. أعادت ترتيب الأغطية الت...ي تستعملها كلحاف وأفرشة للجلوس، ونكست الحصيرة التي تشبعت عيدانها برماد التنفيحة والتبغ، ثم غادرت لتشتري من سوق الحي ما تحتاجه لتحضير وجبة اليوم.
قام كبور بعمليات التنظيف المعتادة، بلل شعر رأسه الأشعث وحلق جوانب لحيته ثم جلس إلى المائدة الصغيرة التي تركتها والدته بعد أن حملتها شيئا من الخبز والشاي والزيتون الأسود المشرمل. تناول فطوره ثم أخرج قارورة التنفيحة ليستنشق بعضا منها،وضعه على حافة يده. التنفيحة والكالة تجعلانه يسمو عاليا لتخترق روحه سماء الحي الصافية، ومن تم ينزل بقوة كأنه وحي أوحي من أعالي السديم الأزرق لينثر أحلامه البرانوياكية،وهذيانه الأسود على وريقات بيضاء يحتفظ بها في حقيبته.
ولجت العجوز الغرفة تجر قفتها، وبعد أن وضعتها وهي تلهث كتلك التي حمل عليها، نظرت إلى ابنها الغارق بين حبات غبار التنفيحة، ثم بادرته بنبرة عنيفة:
- مازلت هنا؟ اخرج ياوليدي ابحث لك عن عمل تقتات منه. انا عييت ياوليدي... عييت.
- أش ماشي نعمل ألوليدة؟
- راك كبرت، ثلاثون عاما، تبارك الله، أقرانك تزوجوا وخلفوا. أتمنى رؤية أبنائك قبل وفاتي...
- كيف لي أن أتزوج في هذه الظروف يأمي؟ لاعمل ولادخل ولاسكن.
انتصب غاضبا ورمى حقيبته على كتفه وغادر.
كبور العبسي رسام عصامي، يكسب قوته من رسومات يخططها بالأقلام الملونة، وبعضها يزينها بألوان مائية يقتني خاماتها من مطبخ أمه أو من علبة الماكياج التي تستعملها أخته. ممارسة الرسم عنده حرفة فقط لسد رمق العيش وليست فنا. فهو لايدري شيئا مما تعج به معاجم الفنون من قبيل المعارض أو التقنيات أو المشاغل وغيرها. مايشتغل عليه عبارة عن رسومات عفوية ملؤها الخيال الجامح، تعيد صياغة مواضيع ترسخت في الذاكرة الشعبية، والجميع عاش معها عبر الأيقونات التي كانت تزين البيوت في زمن مضى. السبع رأس الغول، الأسد وسيدي رحال، آدم وحواء وخطيئة إبليس المتجسد في صورة حية، سيدنا إبراهيم ومحاولته ذبح ابنه سيدنا إسماعيل وكبش الفداء بيد سيدنا جبريل، وقس على ذلك من القصص المصورة بألوان زاهية تضفي على جدران الغرف زينة وبهاء، أكثر من ذلك ترسخ اعتقاد أن شخوص قصص القرآن، من أنبياء وملائكة وشياطين وكفرة هي نفسها التي بتلك التصاوير وليس غيرها. لايعيد كبور رسم بعض من تلك الحكايات بشكل واقعي ولكن الواقع يثبت أن له شخصية فنية وأسلوبا تشكيليا ميثولوجيا لم يسبق لفنان أن تعامل به. أسلوب كبور ليس سرياليا ولا واقعيا وانما هو نابع من ذاته ويعكس نفسيته ومعاناته مع الفقر والبؤس وشدة الحاجة.
افترش قطعة بلاستيكية شفافة وجلس على حافتها بعدما غطى ماتبقى أمامه من قطعة الميكة برسوماته الخيالية، عقد على جبينه لفافة ثوب اتقاء من ضربة شمس من شموس ساحة جامع الفنا الحارة التي بدأ لهيبها في الاشتعال رغم أن الوقت لم يحن بعض لفصل الصيف. إنه فصل الربيع حيث تزدان المدينة المرابطية بحلل نسائم الغرب التي تهب مع الزوار والسياح القادمين من كل حدب وصوب، الآتين رجالا وعلى ضامر، آتين من كل فج عميقٍ . أحاط بجلسة كبور مجموعة من أطفال الساحة يتمعنون في الوريقات ويتأولون الأيقونات، يتذكرون حكايات الجدات والعمات، وبعضهم يربط تلك الصور بما شاهده بسينما مبروكة من أفلام دروكولا وفراكنشتاين. حينما يكثر الجمع واللغط والضجيج، ينتفض كبور قائما مشيرا بيديه:
- أسيرو فحالكم، واش عندي الحلقة، يالله اعطوني التساع... سير لداركم.
يتفرق الجمع يمينا وشمالا ليكشف عن امرأة، نصرانية، انسابت الكهولة إلى جلدها... شقراء. مازالت علامات الجمال والوسامة مرتسمة على وجهها رغم التجاعيد التي خطها الزمن على وجنتيها. تقدمت من الرسوم وانحنت قليلا لتتأملها عن قرب. خاطبت كبور وعيناها لاتغادران الوريقات:
- انها رسومات جميلة جداc'est beau comme dessin. بكم تبيعها؟
نظر إليها كبور ولسان حاله يهمهم: جاء الرزق.! جاء الأمل!
رد عليها في ارتباك:
- عشرة دراهم... الواحدة... ب... عشرة دراهم.
- جميل! إنه ثمن مناسب... جميل. سآخذهم كلهم، لكن بنصف الثمن. أوكي؟!
بقي كبور شارد الذهن يفرك أرنبة أنفه كأنه يحاول التخلص من حساسية زكام أصابه في حينه. فهو لم يحلم بدرهم واحد منذ ما يزيد عن ثلاثة أشهر.
- أوكي... خذيهم مدام.
- باولا... اسمي باولا.
تابعت بلهجة مستعربة تغلب عليها نبرة أوربية:
- أنا ماشي توريست... أنا مغربية من كزابلانكا.
آه كازابلانكا، ياللروعة... سما به الاسم عاليا إلى أيام شبابه المتقدمة حينما عاش بسينما مبروكة مع بوگارت وفيلم كازابلانكا . كانت أحلام جميلة رمته إلى واقع مزر تتوالى فيه حالة الجوع والمرض والبؤس والفقر، وصورة والدته العجوز التي لايملك هو سببا ولاحيلة ليخلصها مما هي فيه.
قطع عليه أفكاره صوت المرأة الواقفة أمامه وبيدها كل الرسومات. نظر إليها ثم رمى ببصره إلى قطعة الميكة المنشورة على الإسفلت.
- خذ، هذه نقودك. لقد أعجبتني روسومك وأريد منها المزيد. لكنني أريد رسومات كبيرة وبالألوان. أوكي؟ هل يمكنك أن تهيأها لبعد غد، نلتقي هنا عند الخامسة مساء.
- كم من رسم تريدين؟
- ما تقدر عليه، المهم أن تكون بالألوان وليس بهذه المواد دوكويزين... non.
ودعته وانسابت بين الشخوص المزدحمة التي اكتسيت بغاشية ظلام المساء. بينما هو بات واقفا ينظر إلى الورقة النقدية التي بيده، كيف سيصرفها، النفحة والكالة والورق والصباغة و... العجوز، أمه، التي لم يعد يطيق سماع صوتها يقطع أوصاله وهي تارة تنصحه وثانية تنهره وأخرى تزمجر في وجهه والغضب يدمي عينيها الذابلتين.
- شوف ليك شي شغل وتزوج لتريحني مما أنا فيه.
قام كبور بعمليات التنظيف المعتادة، بلل شعر رأسه الأشعث وحلق جوانب لحيته ثم جلس إلى المائدة الصغيرة التي تركتها والدته بعد أن حملتها شيئا من الخبز والشاي والزيتون الأسود المشرمل. تناول فطوره ثم أخرج قارورة التنفيحة ليستنشق بعضا منها،وضعه على حافة يده. التنفيحة والكالة تجعلانه يسمو عاليا لتخترق روحه سماء الحي الصافية، ومن تم ينزل بقوة كأنه وحي أوحي من أعالي السديم الأزرق لينثر أحلامه البرانوياكية،وهذيانه الأسود على وريقات بيضاء يحتفظ بها في حقيبته.
ولجت العجوز الغرفة تجر قفتها، وبعد أن وضعتها وهي تلهث كتلك التي حمل عليها، نظرت إلى ابنها الغارق بين حبات غبار التنفيحة، ثم بادرته بنبرة عنيفة:
- مازلت هنا؟ اخرج ياوليدي ابحث لك عن عمل تقتات منه. انا عييت ياوليدي... عييت.
- أش ماشي نعمل ألوليدة؟
- راك كبرت، ثلاثون عاما، تبارك الله، أقرانك تزوجوا وخلفوا. أتمنى رؤية أبنائك قبل وفاتي...
- كيف لي أن أتزوج في هذه الظروف يأمي؟ لاعمل ولادخل ولاسكن.
انتصب غاضبا ورمى حقيبته على كتفه وغادر.
كبور العبسي رسام عصامي، يكسب قوته من رسومات يخططها بالأقلام الملونة، وبعضها يزينها بألوان مائية يقتني خاماتها من مطبخ أمه أو من علبة الماكياج التي تستعملها أخته. ممارسة الرسم عنده حرفة فقط لسد رمق العيش وليست فنا. فهو لايدري شيئا مما تعج به معاجم الفنون من قبيل المعارض أو التقنيات أو المشاغل وغيرها. مايشتغل عليه عبارة عن رسومات عفوية ملؤها الخيال الجامح، تعيد صياغة مواضيع ترسخت في الذاكرة الشعبية، والجميع عاش معها عبر الأيقونات التي كانت تزين البيوت في زمن مضى. السبع رأس الغول، الأسد وسيدي رحال، آدم وحواء وخطيئة إبليس المتجسد في صورة حية، سيدنا إبراهيم ومحاولته ذبح ابنه سيدنا إسماعيل وكبش الفداء بيد سيدنا جبريل، وقس على ذلك من القصص المصورة بألوان زاهية تضفي على جدران الغرف زينة وبهاء، أكثر من ذلك ترسخ اعتقاد أن شخوص قصص القرآن، من أنبياء وملائكة وشياطين وكفرة هي نفسها التي بتلك التصاوير وليس غيرها. لايعيد كبور رسم بعض من تلك الحكايات بشكل واقعي ولكن الواقع يثبت أن له شخصية فنية وأسلوبا تشكيليا ميثولوجيا لم يسبق لفنان أن تعامل به. أسلوب كبور ليس سرياليا ولا واقعيا وانما هو نابع من ذاته ويعكس نفسيته ومعاناته مع الفقر والبؤس وشدة الحاجة.
افترش قطعة بلاستيكية شفافة وجلس على حافتها بعدما غطى ماتبقى أمامه من قطعة الميكة برسوماته الخيالية، عقد على جبينه لفافة ثوب اتقاء من ضربة شمس من شموس ساحة جامع الفنا الحارة التي بدأ لهيبها في الاشتعال رغم أن الوقت لم يحن بعض لفصل الصيف. إنه فصل الربيع حيث تزدان المدينة المرابطية بحلل نسائم الغرب التي تهب مع الزوار والسياح القادمين من كل حدب وصوب، الآتين رجالا وعلى ضامر، آتين من كل فج عميقٍ . أحاط بجلسة كبور مجموعة من أطفال الساحة يتمعنون في الوريقات ويتأولون الأيقونات، يتذكرون حكايات الجدات والعمات، وبعضهم يربط تلك الصور بما شاهده بسينما مبروكة من أفلام دروكولا وفراكنشتاين. حينما يكثر الجمع واللغط والضجيج، ينتفض كبور قائما مشيرا بيديه:
- أسيرو فحالكم، واش عندي الحلقة، يالله اعطوني التساع... سير لداركم.
يتفرق الجمع يمينا وشمالا ليكشف عن امرأة، نصرانية، انسابت الكهولة إلى جلدها... شقراء. مازالت علامات الجمال والوسامة مرتسمة على وجهها رغم التجاعيد التي خطها الزمن على وجنتيها. تقدمت من الرسوم وانحنت قليلا لتتأملها عن قرب. خاطبت كبور وعيناها لاتغادران الوريقات:
- انها رسومات جميلة جداc'est beau comme dessin. بكم تبيعها؟
نظر إليها كبور ولسان حاله يهمهم: جاء الرزق.! جاء الأمل!
رد عليها في ارتباك:
- عشرة دراهم... الواحدة... ب... عشرة دراهم.
- جميل! إنه ثمن مناسب... جميل. سآخذهم كلهم، لكن بنصف الثمن. أوكي؟!
بقي كبور شارد الذهن يفرك أرنبة أنفه كأنه يحاول التخلص من حساسية زكام أصابه في حينه. فهو لم يحلم بدرهم واحد منذ ما يزيد عن ثلاثة أشهر.
- أوكي... خذيهم مدام.
- باولا... اسمي باولا.
تابعت بلهجة مستعربة تغلب عليها نبرة أوربية:
- أنا ماشي توريست... أنا مغربية من كزابلانكا.
آه كازابلانكا، ياللروعة... سما به الاسم عاليا إلى أيام شبابه المتقدمة حينما عاش بسينما مبروكة مع بوگارت وفيلم كازابلانكا . كانت أحلام جميلة رمته إلى واقع مزر تتوالى فيه حالة الجوع والمرض والبؤس والفقر، وصورة والدته العجوز التي لايملك هو سببا ولاحيلة ليخلصها مما هي فيه.
قطع عليه أفكاره صوت المرأة الواقفة أمامه وبيدها كل الرسومات. نظر إليها ثم رمى ببصره إلى قطعة الميكة المنشورة على الإسفلت.
- خذ، هذه نقودك. لقد أعجبتني روسومك وأريد منها المزيد. لكنني أريد رسومات كبيرة وبالألوان. أوكي؟ هل يمكنك أن تهيأها لبعد غد، نلتقي هنا عند الخامسة مساء.
- كم من رسم تريدين؟
- ما تقدر عليه، المهم أن تكون بالألوان وليس بهذه المواد دوكويزين... non.
ودعته وانسابت بين الشخوص المزدحمة التي اكتسيت بغاشية ظلام المساء. بينما هو بات واقفا ينظر إلى الورقة النقدية التي بيده، كيف سيصرفها، النفحة والكالة والورق والصباغة و... العجوز، أمه، التي لم يعد يطيق سماع صوتها يقطع أوصاله وهي تارة تنصحه وثانية تنهره وأخرى تزمجر في وجهه والغضب يدمي عينيها الذابلتين.
- شوف ليك شي شغل وتزوج لتريحني مما أنا فيه.
Commentaires
Enregistrer un commentaire