قرأت لكم 1
أما فيما يخص أهم الأسماء في التجربة التشكيلية المغربية الحالية، فيصعب فعلا حصر هذه التجربة في أسماء محددة بعينها، على اعتبار أن هناك ما يشبه جيلين من الفنانين ما زالا حاضرين بشكل أو بآخر في الساحة الإبداعية لهاته التجربة: الأول مخضرم قد يجمع في رؤاه وإنجازاته الفنية بين إنجازات الجيل الأول الذي هو جيل الرواد والمؤسسين، وجيل الطليعة الذي فتح تجاربه على تقنيات ومقتضيات الحداثة التشكيلية والوسائط وما بعدها. إذ ما زال كلا الجيلين يتعايشان ويشتغلان داخل نوع من التوازي التعبيري والجمالي، دون أن تنفرد أسماء بعينها في الجيل الحالي بالريادة. إذ أن العديد من التجارب التشكيلية المغربية الراهنة تسير جنبا إلى جنب، وهكذا يمكن القول بأن الريادة الحالية هي ريادة جيل بأكمله أو ريادة تكاد تكون جماعية إن صح التعبير."
جواب د. بوجمعة العوفي، حينما سئل: من هم برأيك أهم الفنانين التشكيليين حاليا؟
يصنف الكاتب التجربة التشكيلية بالمغرب إلى جيلين: جيل الرواد المؤسسين، وأظنه يقصد فناني جماعة 65 وقبلهم الغرباوي " أول من مارس التجريد"، والشرقاوي وبحثه الجمالي في التراث المحلي.
ثم يلي هؤلاء في نظر الكاتب جيل الطليعة " الذي فتح تجاربه على تقنيات ومقتضيات الحداثة التشكيلية"؟
نتساءل: ألم يفتح الجيل الاول هو بدوره تجربته على تقنيات ومقتضيات الحداثة؟ ألم تكن تجربة جماعة 65 حداثية، بغض النظر طبعا عن تطابقها فعليا مع الحداثة، وطبعا نقصد الحداثة الفنية في أوروبا؟
ألا
تنتمي
اللوحة المحملية الوافدة من الغرب إلى الحداثة؟ أليس الأسلوب التجريدي الذي تبناه أولئك الفنانون أسلوبا حداثيا، من حداثة القرن العشرين؟ ألا تعد الثورة ضد السياسة المتبعة آنذاك في مجال الفن التشكيلي، وإصدار بيانات نقدية من الحداثة؟ أليست فكرة المقاطعة التي نهجتها المجموعة والنزول إلى الساحة العمومية (معرض ساحة 6 نونبر ومعرض ساحة جامع الفنا) للتقرب من الجمهور، أليس كل هذا من الحداثة؟ (للمزيد من
التفاصيل حول هذا الموضوع يرجع إلى مجلة "أنفاس" عدد 7و8، 1967).
ترى ماذا كان قبل أن تتمظهر هذه المجموعة؟ أي نوع من الفن كان متواجدا قبل الاستقلال وبعده؟ نفهم من تصنيف الكاتب أن التجربة (مع تحفظي على هذه الكلمة)، التشكيلية المغربية عرفت ثلاثة أجيال من الفنانين:
1-
الرواد المؤسسون.
2-
والجيل المخضرم الذي "يجمع في رؤاه وإنجازاته الفنية بين إنجازات الجيل الأول الذي هو جيل الرواد المؤسسين.
3-
ثم جيل الطليعة " الذي فتح تجاربه على تقنيات ومقتضيات الحداثة التشكيلية والوسائط وما بعدها".
لكن الكاتب في قراءته للمشهد الفني يتحدث فقط عن جيلين اثنين: الرواد والطليعة الحداثية.
يبدو أن هناك خلط في المفاهيم وإلا، فما علاقة الطليعة بالحداثة في تجربة تشكيلية كتجربتنا.
في أوربا ظهرت الحداثة
الفنية، كما هو معروف مع منتصف القرن 19، وبالضبط مع الحركة الانطباعية وما تلاها من تحولات زعزعت المشهد الفني بأكمله، حرية الفنان، طريقة العرض، طرق ووسائل تداول الأعمال الفنية،
ظهور المجمعين، القطيعة مع الإرث الفني النهضوي والأكاديمي... وسبقت تلك الحداثة نظريات فلسفية وجمالية كانت لها بمثابة الإطار المرجعي: هيغل وجماليته وقوله ب " موت الفن" – يقصد
هيغل الفن الرومانسي-الذي
كان
يستجيب للتطلعات الروحية للأفراد. بالنسبة إلى هيغل الفن الرومانسي هو " المرحلة الفنية التي تعود إلى بداية الغرب المسيحي، والتي عرفت عصرها الذهبي في العصر الوسيط، وقد امتدت إلى غاية بداية القرن التاسع عشر ". رأى الفيلسوف أن غاية الفن تغيرت وأن الفنانين مع بداية القرن 19، كانوا يجترون ما تركه من سبقهم فلم يصبحوا ملزمين بمعالجة الموضوعات المحددة مسبقا، بل أصبحوا يتمتعون بحرية لم يتمتع بها سلفهم. أصبح الفنان يعبر عن ذاته. وهكذا كما قال مارك جيمنيز إن هيغل " لم يعلن عن موت الفن، بل بميلاد الفن الحديث والجمالية كعلم للفن".
كان من الضروري التوسع في هذه النقطة لنبين كيف أن الحداثة الأوروبية لم تكن وليدة الصدفة، بل كانت لها أرضية فكرية وفلسفية وادبية (بودلير ونصه عن " فنان الأزمنة الحديثة"). حقا أن الحداثة عملت على تأسيس قطيعة مع الماضي والتراث، (المحاكاة وال، mimesis ونبذ المنظور وطرق الرسم والتلوين وموضوعات الدين والميثولوجيا، والاشتغال بجانب البلاط والأمراء والكنيسة...). وبذلك تكون الحداثة كما أشار إلى ذلك هيغل، بنت ذاتها انطلاقا من معاييرها الخاصة بها ولم تعتمد على معايير غيرها.
كلام صحيح نسبيا لكنه صحته ليست مطلقة، ذلك أن الحداثة الفنية اعتمدت معايير غيرها، معايير جمالية وفنية تنتمي لأمم غير أوروبية، (الفنون الإفريقية والأسيوية والفنون الإسلامية). إن الحداثة الأوروبية قطعت مع ماضيها وتراثها الأوروبيين واعتمدت ماضي وتراث آخرين، المهم أن إبداعها لم يكن من العدم، كما يتصور البعض، أو أنها كانت أكثر إبداعية من الحداثة العربية، كما صرح بذلك إياد كنعان في إحدى مداخلاته.
أعود إلى حداثتنا الفنية بصيغتها المغربية، لأبين أنها اعتمدت في تكوينها الفني على ماضيين: الماضي والتراث العربيين/ الإسلاميين/ الأمازيغيين، (الحرف العربي والرموز واستلهام عناصر الزخرفة الإسلامية) كل ذلك لتنتج لوحات تجريدية تنتمي بدورها من الناحية الشكلية إلى أسلوب تجريدي متجاوز، يعود أصله إلى زمن ثقافي دخلت
حداثته مرحلة الشيخوخة وأصبحت جماليا تعد من الكلاسيكيات. إن أي حداثة تشيخ وتنتهي
لأن تكون كلاسيكية، كما قال مارك جيمنيز. والنتيجة أن زمننا الثقافي، كما وضح ذلك محمد عابد الجابري، لم يعش التوازي والتزامن مع الزمن الثقافي الاوروبي، ولكن كان الاخير دائما هو المتجاوز والسباق.
وصف الكاتب جيله الثاني بالطلائعي! ترى ماذا يقصد بالطليعة Avant garde؟
سأكون مجبرا إلى العودة إلى أصل الأشياء، إلى الفن الأوروبي، لأوضح قدر المستطاع مفهوم الطليعة.
الطليعة لفظة عسكرية استعملت استعارة في المجال الفني " وهي تعني مختلف التجمعات التي قررت قطع صلتها بالنظام القديم البرجوازي القائم والتراث" وهذا ما عملت على تكريسه الحداثة نفسها، إلا ان الطليعة تجاوزت ذلك فكانت حركة ذات ميول حادة ومتطرفة حتى أصبحت " مشروعا غير مكتمل" على حد تعبير الفيلسوف الألماني هابرماس.
تدفعنا قولة هابرماس هذه إلى التساؤل ما إذا لم تكن الحداثة العربية عامة والمغربية خاصة بدورهما " مشروعا غير مكتمل"؟
ما أسباب موت " الحركة الحروفية"؟ لماذا توقف نشاط مجموعة 65؟ لماذا لم تتكرر دورات البينالات العربية؟ والسؤال الذي اعتبره شخصيا ذو الأهمية الكبرى هو: لماذا لم ينفتح الفنانون التشكيليون على الفلسفة والفلاسفة؟ مع العلم ان الفلسفة هي الاقرب غلى الفن والجمال. وكما توضح آنفا كان لفلسفة هيغل وغيره الدور الكبير والاساسي في تبليط أرضية الإبداع الفني وبناء صرح الجمالية. ومازالت النظريات الفلسفية الجمالية تؤطر وتصاحب التيارات والاتجاهات التشكيلية، (بنيامين وهايدغر ولوكاتش وغودمان ودريدا وغيرهم).
وقع العكس عندنا فقد ابتعد فنانو الحداثة (مجموعة 65) عن الفلاسفة بل وجهوا نقدا لاذعا إلى عزيز لحبابي ووصفوه
بفقدان الأهلية، حينما تقلد مسؤولية تنظيم معرض تشكيلي في بداية الستينات. فعدم إدراج الفلاسفة ضمن المنظومة الفكرية والجمالية آذاك، أدى، من جهة بالتجربة التشكيلية إلى الفشل والإقبار المبكر، وترك الفلاسفة غير مهتمين بالجمالية في دراساتهم، ولا مبالين بالتطورات التي تعرفها الحركة التشكيلية بالمغرب والعالم العربي.
فلا كتابات ولا ترجمات عن الفن وفلسفة الجمال. عكس ما حصل في بلدان عربية أخرى مثل
مصر ولبنان والعراق وسوريا. كان على مجموعة 65 أن تستلهم مشروع الجابري ودراسته حول التراث ونقده للعقل العربي، كما كانت أمامها فرصة الاستفادة من أطروحات عبد الله العروي حول العرب والفكر التاريخي. كل هذه كانت مشاريع فكرية/ فلسفية رأت النور خلال عصر الحداثة التشكيلية الذهبي، سبعينيات القرن الماضي.
إن
الكاتب بتقسيمه الحركة التشكيلية إلى جيلين، غيب وجنى على كثير من الفنانين المغاربة العصاميين الأوائل أو ما يسمى " الفن الفطري" الذي،
أحببنا أم كرهنا شكل حضوره
التاريخي جزيرة في
خريطة
مشهدنا التشكيلي، وأقتبس " جزيرة" من الجابري نفسه الذي رأى تاريخ الفكر العربي، الجاهلية والإسلام والنهضة العربية الحديثة، كأنها جزر في
البحر
مستقلة عن بعضها البعض.
وتتكرر الصورة الطبوغرافية نفسها في الفن حينما
نخضعه للتصنيف التاريخي المتداول والمبتذل: التراث الفني الإسلامي والفن الفطري والفن التشخيصي الأكاديمي والفن التجريدي والاتجاهات المعاصرة الأخيرة، ما قصده الكاتب بالطليعة. فأي صلة نجدها بين هذه المحطات؟ الواقع أن لا رابطة حقيقية بينها ان استثنينا التكرار والاجترار؛ تكرار الأساليب الوافدة واجترار ما تم اختياره والقناعة به.
أعيد إحياء الأسلوب الفطري
من طرف الفنانين الشباب، وتم توظيف الحرف العربي
داخل تكوينات هندسية تعود بذاكرتنا إلى المليحي وشبعة، نجد الأساليب التشخيصية
المختلفة بتنوع اتجاهاتها (انطباعية وسريالية وواقعية...) حاضرة في كل مناسبة
مع الفشل في كسب هوية تصويرية تبرز شخصية الفنان. ونقلت إلينا التنصيبية
بشكل مجاني ومبتذل، مع عدم الوعي بما تحمله تلك الإبداعات من معاني ومرجعيات تاريخية ووجودية، أصبحنا محاطين بمنتوجات
تدعي لنفسها الانتماء إلى الفن المعاصر وهي في الحقيقة باهتة لا "هالة"
لها ولا يمكن بأي حال من الأحوال أن تكون طرفا من "صناعة ثقافية" ولا أن
تسعد في يوم من الأيام ب "ثقافة توكيدية" تثمن وجودها وهويتها. ويعود عدم الوعي هذا لأسباب لا يسع المجال الآن للتفصيل فيها.
قلت إن الكاتب بتصنيفه غيب العديد من التجارب الفنية الحاضرة في التاريخ، والتي لا هي تتلمذت على الرواد ولا
هي
بالرائدة ولا بالمخضرمة، وأخص بالذكر منها تجارب فناني الشمال الذين بقوا متشبثين بتصويرهم الواقعي ولم يعيروا ل
«الحداثة التجريدية" أي اعتبار. فهؤلاء، أبناء مدرسة برتوتشي يشكلون لوحدهم جزيرة أخرى مستقلة، تستحق ركوب الأمواج لاكتشافها. فهم لا يجدون حظهم من صفحات التاريخ المدون
حاليا، مثلهم في ذلك مثل جيل تلاميذ الرواد الذين تكونوا بمدرسة الفنون الجميلة البيضاوية، (باستثناء بعض الأسماء التي تداولها كتاب
الفن والنقد). فبتصنيف الكاتب ستتمدد يدد الغبن لتحتوي جيل من الفنانين الذين انطلق مشوارهم مع سبعينيات القرن الماضي، منهم الحساني والميلودي وربيع والقاسمي ولطيفة التيجاني وغيرهم كثير. ويخرج عن حدود التصنيف ايضا الفنانون الذين تلقوا تكوينهم بشعب الفنون التطبيقية والتشكيلية بالمغرب، وتألقت منهم أسماء تحتل مكانتها وسط الحركة التشكيلية المغربية، أذكر منهم الملياني وبلامين والحياني وبنعاس وبندحمان وكريش والمقداد وأفوس
وموسيك ومدكور وعدد من الاسماء النسوية، وأعتذر لمن لم أذكر اسمه.
أظن أننا إذا قررنا تبني التصانيف لكتابة تاريخ الحركة التشكيلية بالمغرب، فالأصح هو أن تكون التصانيف زمانية، حسب العقود ونترك جانبا قصة الأجيال. فواضح ما
كان
عليه الفن قبل الاستقلال وما أصبح عليه بعد الاستقلال حتى بداية الستينات، وما حدث من تحولات خلال العقد السادس (نشاط مجموعة 65 وانفتاح الفن على أجناس ثقافية أخرى: الشعر والأدب وتأسيس مجلة أفاس، والتحولات البيداغوجية التي عرفتها مدرسة الفنون الجميلة بالدار البيضاء، والدور الوظيفي الجديد للفن في حياة الفرد والجماعة...)
وإذا انتقلنا إلى سبعينيات القرن واجهتنا المشاكل التي ستتسبب في خنق أنفاس (المجلة) وخنق أنفاس الحركة الحداثية، التي أصبح همها هو الانفتاح على العالم العربي وفنانيه، فكانت المشاركات في اللقاءات والبينالات والمعارض التي تتناول القضية العربية الإشكالية، القضية الفلسطينية. ومع نهاية العقد السابع انتهى كل شيء. انكمش الفنانون الرواد على أنفسهم وتوقف نشاط الجمعية المغربية للفنون التشكيلية وأقبرت مشاريع البينالات العربية، وانقسم الفنانون إلى مجموعات إقليمية (الرباط والدار البيضاء ومراكش والشمال والوسط)، بعدما كان الجميع منضويا تحت جمعية واحدة. وبدأت تتجاذب هذه المجموعات نقاشات وشجارات عقيمة ومجانية، لم يجن الفن من
ورائها غير التهميش والتشتت والتسيب والتطفل والترامي العشوائي والتهجين، وتفاقم الوضع مع حلول التسعينات، حصل التراكم وتراجع النقد الذي كان بالأمس مواكبا للإبداع، وظهر السماسرة يشجعون ما كان وأيا كان، وعمت الأمية الأيقونية والبصرية، وتكشفت معالمها
واضحة في الإعلام والمناسبات الفنية والتعليم والكتابات النقدية، ولم تعد القيم التي أرسى أسسها الجيل الأول غير رغوة تطفو فوق ماء راكد. اختلط كل شيء بكل شيء فلم تعد تقو على تحديد أسلوب خاص ولا اسم فنان خاص. عمت الفوضى وغرق الفن في موجة التكرار والاجترار. إننا نعيش رحيلا في الزمن التشكيلي من المعقول إلى
اللامعقول، كما عشنا رحيلا ثقافي من قبل.
محمد خصيف
Commentaires
Enregistrer un commentaire